پيترو دلاواله

26

رحلة ديلاوالية إلى العراق

إلى إحدى الدول الشديدة البأس المجاورة لهم . فبعضهم انتموا إلى الرومان والبعض الآخر إلى الفرس وهذا ما نراه إلى اليوم . فهناك أمراء يدينون بالولاء للفرس لقربهم منهم والبعض الآخر للأتراك ومن بين هؤلاء الأمير فياض . وكما ذكرت آنفا فإن الأعراب يحاولون حماية موطنهم بسد عدد من الآبار القريبة فلا يعرف أحد محلها سواهم ، فإذا حاول غيرهم ممن لا خبرة له بالصحراء الواسعة زج نفسه هناك فإنه سيتيه لا محالة ويضل ، ويكون الموت مصيره . وذلك ما حدث للكثير من الغرباء . في كل يوم نذهب في طلب الماء ، يدلنا إليه رجال من أهل المنطقة ذوو خبرة في الطرق وموارد الماء وكانوا يعرفون تلك الأماكن من مراقبتهم النجوم في الليل ومن نظرهم إلى البطاح والتلال في النهار . فهم يعرفون الطرق على اختلافها : البعيدة منها والقريبة ويستدلون في سيرهم بأمور كثيرة ، فالأرض عاليها وواطئها ، ولون الأديم وأنواع الأعشاب النابتة . كل هذه الأمور يعتمدون عليها في سيرهم ؛ إنهم يعملون كعمل ربان السفينة في عرض البحر . وما أدهشني منهم بشكل خاص دقتهم في الوصول إلى الآبار لأنها تقع عادة في أرض منخفضة لا ترى إلا عند الوصول إليها ؛ وفوهاتها كحفر عادية لا سور يحيط بها ولا علامة خاصة تدل عليها . كنا نسير يوميا مسافة طويلة ، وقد نقطع المسافة المقررة على مرحلة أو على مرحلتين ، وقد نسير في اليوم الواحد 13 - 14 ساعة وأحيانا ست عشرة ساعة . وأتعس ما في الأمر أننا نسير ليلا في ضوء القمر فكانت تتغير من جراء ذلك أوقات أكلنا ونومنا بانزعاج شديد . لكن لا بد من التحلي بقليل من الصبر . رأيت يوم الجمعة التالية عند ينبوع لا يصلح ماؤه للشرب ينابيع أخرى تتدفق من الأرض مياهها حارة يطلق عليها العرب اسم « الحمام » . شاهدت نهار السبت عند جملة آبار أخرى مياهها جيدة آثار مدينة كبيرة لا يرى منها إلا الأسس وبعض الأعمدة ، وتيجان الأعمدة من الرخام كانت مبعثرة ، وبقايا أسوار كثيرة من الحجر الأسود الضخم ذات أسس عريضة جدا . ويحكم الناظر من محيط المدينة أنها كانت ذات شأن وقد أهملت