صالح أحمد العلي

49

سامراء

ومما يسّر تحقيق سياسته أن الترك لم تكن لهم ثقافة عميقة حريّة بالتمسك ، فلم يصعب على الإسلام بخصائصه المميزة أن ينتشر في الترك ، ولا سيما أن الإسلام تسنده دولة قوية تتميز بتيسير الحرية للناس ، فضلا عن أن الازدهار الاقتصادي فيها يوفر للتجار مجالا للربح . اهتم المأمون بالتوسع في المشرق منذ أوائل سني ولايته على خراسان ، ولم تذكر المصادر صعوبات واجهها في هذا التوسع الذي لم تصلنا تفاصيله ، ومن المحتمل أن جيش طاهر بن الحسين الذي وجّهه المأمون للسيطرة على بغداد كان فيه من الترك عدد يصعب تقديره . السغد كانت خراسان في زمن الخلفاء الراشدين آخر إقليم للدولة الساسانية في المشرق ، وحدّها في الشرق نهر جيحون . أما البلاد التي ما وراءه فكان أهلها من السغد ، ووراءهم بلاد الترك ثم بلاد المغول . والسغد قوم تميّزوا بسمات حضارية متقدمة ، وقد وصلهم الإسكندر المكدوني في فتوحه في المشرق وضمّهم إلى دولته ، وأقام فيهم جالية إغريقية كونت بعده دولة باكتريا ، وعاصمتها بلخ « 1 » ؛ وكانت بلادهم عند تقدّم العرب متقدمة في الحضارة وفيها عدد من المدن المزدهرة فلجأت إليها أعداد من مختلف هذه التيارات ، بمن فيهم معتنقو البوذية من الصين ، حيث كان لهم في بلخ معبد النوبهار ومن سدنته برمك جد أسرة البرامكة ، كما لجأت إلى بلادهم أعداد من معتنقي المانوية التي اضطهدها الساسانيون ، وأعداد من النصارى واليهود ، وربما أصحاب عقائد أخرى ، مستفيدين من الحرية الواسعة المتوافرة لهم في هذه البلاد . غير أنهم لم تكن لهم عند تقدّم المسلمين إلى بلادهم دولة يهيمن عليها حاكم يوحّدهم سياسيا ، فكانت غالبية مدنهم تتمتع باستقلال

--> ( 1 ) انظر كتاب « الإغريق في باكتريا » لتارن بالإنكليزية .