جلال الدين السيوطي

167

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

لكم فوقع في قلوب ناس كثير الخوف وكان فيهم شئ من تخاذل من تخويف الشيطان فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون مسابقين إلى الماء وسار المشركون سراعا يريدون الماء فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين بلاء شديدا منعهم ان يسيروا وكان على المسلمين ديمة خفيفة لبدلهم المسير والمنزل وكانت بطحاء فسبق المسلمون إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل فاقتحم القوم في القليب فماحوها حتى كثر ماؤها وصنعوا حوضا عظيما ثم غوروا ما سواه من المياه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه مصارعهم إن شاء الله بالغداة وانزل الله إذ يغشاكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام ثم صف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحياض فلما طلع المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم إني أسالك ما وعدتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممسك بعضد أبى بكر يقول اللهم إني أسالك ما وعدتني فقال أبو بكر أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك فاستنصر المسلمون الله واستعانوه فاستجاب الله لنبيه وللمسلمين وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يحدثهم ان بنى كنانة وراءهم قد أقبلوا لنصرهم وانه لا غالب لكم اليوم من الناس وأني جار لكم لما أخبرهم من مسير بنى كنانة وأنزل الله ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس هذه الآية والتي بعدها وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة من مع محمد صلى الله عليه وسلم غر هؤلاء دينهم فأنزل الله ومن يتوكل على الله فان الله عزيز حكيم وأقبل المشركون حتى نزلوا وتعبوا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم فسعى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة فقال له هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت قال عتبة فافعل ماذا قال تجير بين الناس وتحمل دم ابن الحضرمي وبما أصاب محمد من تلك العير فإنهم لا يطلبون من محمد غير هذه العير ودم هذا الرجل قال عتبة نعم قد فعلت ونعما قلت ونعما دعوت إليه فاسع في عشيرتك فانا أتحمل بها فسعى حكيم في اشراف قريش بذلك يدعوهم إليه وركب عتبة جملا له فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه فقال يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عيركم تلك وأنا أتحمل بوفاء ذلك ودعوا هذا الرجل فإن كان كاذبا ولى قتله غيركم من العرب فان فيهم رجالا لكم فيهم قرابة قريبة وانكم ان تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه أو ابن أخيه أو ابن عمه فيورث ذلك فيهم أحنا وضغائن وان كان هذا لرجل ملكا كنتم في ملك أخيكم وان كان نبيا لم تقتلون النبي فتسيئوا به ولن تخلصوا إليهم حتى يصيبوا أعدادهم ولا آمن أن يكون لكم الدبرة عليهم فحسده أبو جهل على مقالته وأبى الله الا أن ينفذ أمره وعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي وهو أخو المقتول فقال هذا عتبة يخذل بين الناس وقد تحمل بدية أخيك يزعم انك قابلها أفلا تستحيون من ذلك أن تقبلوا الدية فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو ينظر إلى عتبة ان يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر وان يطيعوه يرشدوا فلما حرض أبو جهل قريشا على القتال أمر النساء يعولن عمرا فقمن يصحن وا عمراه وا عمراه تحريضا على القتال فاجتمعت قريش على القتال فقال عتبة لأبي جهل سيعلم اليوم أي الامرين أرشد وأخذت قريش مصاف هذا القتال وقالوا لعمير بن وهب اركب فاحذر محمدا وأصحابه فقعد عمير على فرسه فأطاف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم رجع إلى المشركين فقال حذرتهم بثلاثمائة مقاتل زادوا شيئا أو نقصوا شيئا وحذرت سبعين بعيرا ونحو ذلك لكن أنظروني حتى أنظر هل لهم مدد أو كمين فأطاف حولهم وبعثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم ثم رجعوا فقالوا لا مدد لهم ولا كمين وانما هم أكلة جزور وقالوا لعمير حرش بين القوم فحمل عمير على الصف بمائة فارس واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه لا تقاتلوا حتى أوذنكم وغشيه نوم فغلبه فلما نظر بعض القوم إلى بعض جعل أبو بكر يقول يا رسول الله قد دنا القوم ونالوا منا فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى طمع بعض القوم في بعض ولو أراه عددا كثيرا لفشلوا وتنازعوا في الامر كما قال الله وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فوعظهم وأخبرهم ان الله قد أوجب الجنة لمن استشهد اليوم فقام عمير بن الحمام من عجين كان يعجنه لأصحابه حين سمع