أحمد عبد الباقي
199
سامرا
إلى الافشين بذلك ، فأقر الافشين عبد اللّه مرغما « 17 » . وكان الافشين يطمع في أن يحل محل عبد اللّه بن طاهر في ولاية خراسان توطئة للوثوب بالخلافة . ويظهر ان هذا هو ما دعا عبد اللّه إلى أن يكون مخلصا في ولائه للمعتصم باللّه . وكان موقف عبد اللّه من الافشين من أهم الأسباب التي حالت دون تحقيق الافشين نواياه . كان عبد اللّه إداريا مجربا ، وعلى درجة عالية من الكفاية والحزم ، بحيث ضبط خراسان ضبطا ما ضبطه أحد قبله ، ودانت له البلاد ، واستقامت عليه الكلمة « 18 » . ومن مظاهر حزمه انه عندما ولى خراسان استناب بنيسابور محمد بن حميد الطاهري ، فبنى هذا دارا خرج بحائطها إلى الطريق . فلما قدمها عبد اللّه جمع الناس وسألهم عن سيرة محمد فيهم ، فسكتوا . فقال بعض الحاضرين ان سكوتهم يدل على سوء سيرته فيهم . فعزله وأمره بهدم ما بنى في الطريق « 19 » . ويعتبر عبد اللّه من الأجواد . فقد ذكر الخطيب البغدادي اخبارا عديدة عن كرمه الزائد ، فيها كثير من المبالغة . وفي الخبر التالي مثال على ذلك : لما رجع عبد اللّه من الشام إلى بغداد ، صعد فوق سطح داره فرأى دخانا يرتفع إلى جواره . فسأل حاجبه عن سبب الدخان ، فأعلمه ان القوم يخبزون . فقال : وهل يحتاج جيراننا إلى أن يتكلفوا ذلك ؟ ثم أمره أن يحصى جيرانه ممن لا يقطعهم عنه شارع . فمضى واحصاهم فبلغ عددهم أربعة آلاف نفس . فأمر عبد اللّه لكل واحد منهم في كل يوم بمنين من الخبز ، ومن من اللحم ، وبعشرة دراهم للتوابل في كل شهر ، ومائة وخمسين درهما لكسوة الشتاء ، ومائة درهم لكسوة الصيف . وبقي ذلك دأبه
--> ( 17 ) الطبري 9 / 104 . ( 18 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 480 . ( 19 ) الكامل 7 / 14 .