أحمد عبد الباقي
309
سامرا
الذين اخذوا يتوجسون منه . ويظهر ان المنتصر باللّه اخذ يشعر بالندم وتأنيب الضمير لمساهمته في مؤامرة قتل أبيه . لا سيما وان الأمر انتشر بين الناس عامتهم وخاصتهم بأنه قاتل أبيه ، وان مدة حياته لا تطول أكثر من ستة اشهر بعد أبيه ، وهي المدة التي عاشها شيرويه الفارسي قاتل أبيه . وهناك قصة تروى عن بساط كان مفروشا في أحد الأروقة في القصر ، وعليه صورة فرس عليه راكب وعلى رأسه تاج ، وحول الصورة كتابة بالفارسية ، لفتت نظر المنتصر باللّه ، فترجمت له . فإذا هي صورة شيرويه قاتل أبيه ابرويز الملك وانه عاش بعده ستة اشهر ، فلما سمع ذلك تغير وجهه وقام من مجلسه « 38 » . ويظهر من رواية المسعودي للخبر ان البساط المذكور كان تحت المتوكل على اللّه ليلة اغتياله ، وعليه آثار من الدماء « 39 » . ولعل ذلك كان مبعث تشاؤم المنتصر باللّه وتغير وجهه . لا شك في أن الشعور بالذنب أو الندم هو ضريبة الجريمة . وكلما اعتقد المجرم بعظم جرمه وفداحة ما ارتكبه من اثم ازداد هذا الشعور ، فيعيش صاحبه في جو خانق من الخوف والقلق ، مما يسبب له آلاما نفسية مبرحة ، وتوترا عصبيا مستمرا . وقد كثرت نتيجة لوضع المنتصر باللّه النفسي أحلامه التي كانت انعكاسا لشعوره بالأثم وندمه على فعلته . وكان لهذا الوضع النفسي السىء الذي صار اليه المنتصر باللّه رد فعل شديد تمثل بحنقه الزائد على القواد الأتراك وبخاصة أولئك الذين قتلوا أباه .
--> ( 38 ) تفصيل قصة البساط في : مروج الذهب 4 / 130 - 131 ، ونشوار المحاضرة 5 / 183 - 184 وفيه ان صاحب الصورة هو شيرويه بن كسرى هرمز . ( 39 ) مروج الذهب 4 / 131 .