أحمد عبد الباقي

23

سامرا

الجند ضربه فمنعهم المعتصم ، وقال له : مالك يا شيخ ؟ فقال : لا جزاك اللّه خيرا عن الجوار ، جاورتنا مدة فرأيناك شر جار ، جئتنا بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا فايتمت صبياننا وارملت نساءنا واللّه لنقاتلنك بسهام السحر ، يعني الدعاء ، والمعتصم يسمع ذلك . فدخل منزله ولم ير راكبا الا في يوم مثل ذلك اليوم ، فركب وصلى بالناس العيد ، وسار إلى موضع سامرا فبناها « 12 » . ولخص ابن دحيّة ما ذكره من سبقه من المؤرخين الا انه أشار إلى سبب آخر من أسباب نقمة العامة على الجند هو النزول عليهم في مساكنهم قسرا ، وهو امر لم يألفه العرب ، فيقول : « ان العامة شكوا اليه من الجند والنزول عليهم في المساكن والتعرض بهم ، فقال له بعض صلحاء المحدثين : يا أمير المؤمنين اني لا آمن عليك ان يقاتلك العامة ، فقال له : ولم تقاتلني العامة ، ومن يحملها على ذلك وانا في هذا العسكر العظيم ؟ فقال له : يقاتلونك بسهام الليل ورفع الأيدي إلى اللّه تعالى في المساجد . فركب في الحال وتخير موضع سر من رأى على دجلة » « 13 » . لا ريب في أن ضيق العاصمة بغداد بجند المعتصم باللّه لكثرتهم ، وتخلفهم الحضاري عن سكان المدينة ، وما ترتب من النتائج السيئة عن احتكاكهم بالناس وتعديهم عليهم ، ووقوع الأذى بين الطرفين بحيث ضاق كل منهما ذرعا بالآخر ، وحرص المعتصم بالله على أن لا يغضب أهل بغداد ، وهي حاضرة الدولة العربية وكبرى مدنها ، وقد شعر بانتشار روح النقمة والتذمر بينهم ، وخشية من أن يؤدي ذلك إلى قيام فتنة لا يريدها ، مما جعله يقرر عزل الجيش بثكناته واصطبلاته بعيدا عن بغداد . ومما يؤيد ذلك الطريقة التي

--> ( 12 ) الفخري 211 . ( 13 ) النبراس / 65 .