أحمد عبد الباقي

10

سامرا

تصميم مسبق ، وجهد كبير متواصل ، ومال وفير ، وما لعبته العاصمة الجديدة من دور مهم في مسيرة الحضارة العربية خلال الشطر الأكبر من القرن الثالث . وقد تيسر للمعتصم باللّه ان ينهض بذلك العمل العظيم بما وهب من حب للعمران ، وللجندية والحياة العسكرية ، وما توفر له من المال . وقد اختار المكان المناسب للمدينة من حيث حسن الجو والمناخ ، وتوفر المياه ، وحصانة الموقع . وخططها بما يسد احتياجات عسكره من الأتراك ، ومتطلبات الحياة المدنية . ووزع الاعمال الانشائية المطلوبة لتأسيس المدينة على قواده وكبار رجاله بما كفل سرعة انجازها . ولم يبخل ببذل ما احتاجه لذلك من الأموال . فاستطاع ان يقيم مدينة واسعة كاملة المرافق في خلال مدة وجيزة تعتبر قياسية - إذ ابتدأ ببنائها في سنة ( 221 ه ) وتم انجازها في أواخر السنة التالية - . ومع أن الصفة العسكرية غلبت على مؤسساتها ومرافقها عند تأسيسها ، إذ كان معظم سكانها في أول أمرها من الجند الأتراك الذين كانوا أهم أسباب تأسيسها ، بحيث أطلق عليها اسم « العسكر » . الا انها ما لبثت ان قصدها أصناف الناس واستوطنوها باعتبارها حاضرة الخلافة . ولم تمض مدة يسيرة على تأسيسها حتى غدت من أمهات مدن الدنيا آنذاك . وقد أقدم إليها الخليفة نفسه من كل بلد من يعمل عملا من الاعمال ، أو يعالج مهنة من مهن الزرع والغرس ، وحمل من سائر البلدان من أهل كل مهنة وصناعة فانزلهم في المدينة وأقطعهم فيها لبناء منازل لهم . فاتسعت عمارة المدينة واتصلت بيوتها وقصورها وأسواقها ، وانتقل إليها عدد كبير من وجوه الناس وأهل النباهة من سائر المدن والأمصار لطيب جوها وحسن موقمها وعمارتها . الا ان المدينة لم تلبث ان امتد إليها الخراب عندما النقل الخليفة المعتضد باللّه عائدا إلى بغداد في سنة ( 279 ه ) بحيث لم يبق منها بعد سنين قلائل سوى اطلالها . غير أن هذه الاطلال حفظت لنا