محمد بن عبد الوهاب المكناسي
57
رحلة المكناسي
وصف حفلة لأهل صقلية على شرف البعثة ولأهلها بشاشة وطلاقة وانبساط ، فقد فرحوا بنا فرحا كثيرا ، وطلبوا منا النزول إلى بلادهم واستدعونا لذلك مرارا ، فأبينا عليهم لكوننا إنما دخلنا إلى مرساهم بقصد حمل الماء على جناح سفر مستوفدين ، فلما رأوا امتناعنا جاءوا ذات ليلة إلى المركب بقضهم وقضيضهم ، وأصحبوا معهم المغنين بألحانهم وقريضهم نساء ورجالا ، مظهرين حسن رداء وجمالا ، واعتد لذلك رئيس المركب بما يناسب مقتضى عوائدهم ، - 11 - فكسى السفينة وظللها ، وعلق بها من منارات البلور للشمع ما زينها وجملها ، حتى خرجت السفينة عن شكل السفائن ، وصارت في حساب مقاعد المدائن ، وبعد أن غربت الشمس أتى أهل البلد ومعهم النساء الضامات « 25 » وهذا اللقب على كونهن من الأكابر من العلامات ، ونصبت للقوم كراسي قعدوا عليها ومتكئات استندوا إليها ، وصعد أهل الغنا فوق مرتبة ، وأخذوا في استعمال ألحانهم مرددين كل شكوى في الصبابة ومعتبة ، ثم طيف « 26 » عليهم بكؤوس من الحلاوي معقودة بالثلج بقصد إبراد اللهيف ، لأن الفصل كان فصل مصيف ، ثم شرعوا في الرقص رجالا ونسا من غير تأخير ولا إنسا ، لأن ذلك عندهم من العوائد ومما لا ينخرم من القواعد ، وباتوا بليلة ذات مراح لا يعبأون بمن غدا أو راح ، من كل فتانة الطرف كثيرة الدلال والظرف ، مهرة مدللة للصبابة على حرف ، ودرة عن اللمس مصونة بيضاء مكنونة ، فلا ترى أعجب من ليلتنا بظباء القفار فوق أمواج البحار . ولما حمل رئيس المركب الماء من سرقوزة سافرنا منها في رابع شهر رمضان الأعظم ، وأنعم الله تعالى علينا ببركة هذا الشهر المبارك بريح غربي موافق لنا ، فقطعنا به مفاوز ذات مدى شاسع ، لا تقطع إلا بعون من الله ذي الفضل الواسع ، فدخلنا جزر بر الترك « 27 » وتحرك علينا ريح غير موافق ،
--> ( 25 ) تعريب لكلمة Las Damas اللاتينية والتي تعني كما يورد ابن عثمان نساء علية القوم . ( 26 ) نهاية البتر في النص في نسخة ( ب ) . ( 27 ) يقصد الجزر المتناثرة بكثافة في بحر إيجة .