محمد بن عبد الوهاب المكناسي
49
رحلة المكناسي
أولا إلى القسطنطينة العظمى والحضرة الفخمى ، حتى نتلاقى مع سلطانها الأعظم الخاقان المعظم ، خديم الحرمين الشريفين والقدس الشريف أول القبلتين ، السلطان عبد الحميد خان « 6 » نصره الله تعالى وأيده ، ومهد ملكه وشيده ، وجعله في أعين الكفرة قذى ، وصرف عنه كل ضير وأذى ، وقواه على الكفار وأعانه وكبت عدوه وأهانه ، وأبقى هذين الأميرين العظيمين الشريفين « 7 » الجليلين الكبيرين للمسلمين كهفا وحرزا وللإسلام عزا ، حتى يرجع بوجودهما للإسلام شبابه ، وتورق أغصانه وتخضر شعابه وهضابه ، وتجتمع للإسلام الكلمة ، فتغلب على الفئة المشركة الفئة المسلمة ، إنه ولي ذلك . وأمرني أدام الله اعتناءه وخلد في الدهر بالجميل ثناءه ، أننا إذا تقضينا من القسطنطينة غرض الرسالة ، مع تحصيل رؤية بدر تلك الهالة ، نستعد للسرى إلى أم القرى ، لنتقضى مناسك الحج ووظائف العج والثج « 8 » ، ونفرق هديته على أهل الحرمين الشريفين التي أصحبنا وبثوابها أتحفنا ، وعهد إلينا أدام الله سعادته وحرس مجادته ، أن نرسم له ما تتفق رؤيته في هذا السفر ،
--> ( 6 ) عبد الحميد الأول ( 1725 - 1789 ) ، أصغر أبناء السلطان أحمد الثالث ، توليا لحكم سنة 1774 بعد وفاة أخيه مصطفى الثالث وواجهت الدولة العثمانية في عهده تحديات عظيمة ، ففي الوقت الذي كانت تعاني فيه الدولة أزمات مالية وانتفاضات في الولايات ، واجه السلطان عبد الحميد تحدي توسع الإمبراطورية الروسية واتضاح أطماعها في البلقان والقرم مما كان معه حتميا اصطدام القوتين ، فانهزمت الجيوش العثمانية واضطر السلطان إلى التوقيع على معاهدة " كوجك قينارجه " في يوليوز 1774 ، والتي أخلت بالتوازن الدولي بحصول روسيا على تنازلات مهمة في القرم وحق الملاحة في البحر الأسود والمضايق ، بل تضمنت المعاهدة بنودا غير واضحة فسرت على أنها تنص على قبول الباب العالي مبدأ حق روسيا في حماية الرعايا الأرتذوكس في الإمبراطورية العثمانية . وفي نفس السنة - 1774 - اندلعت الحرب بين الدولة العثمانية وإيران ، لكن هاجس عبد الحميد الأول ظل الصراع ضد الروس ومخططات كاترين الثانية في القرم والبلقان ، وعندما أبرم التحالف بين روسيا والنمسا وبدأ يهدد وجود الدولة العثمانية وممتلكاتها ، ورغم إدراك السلطان لضعف إمكانياته أعلن الوزير الأعظم خوجة يوسف باشا الحرب على الدولتين المتحالفتين سنة 1787 وقد كان ابن عثمان شاهدا على أوضاع البلاد وهي تستعد للحرب . ( أوزتونا 633 ؛ ( 312 - 5 E . , I . , ( 7 ) " الشهيرين " في ( ب ) ، علما بأن العثمانيين لم يدعوا الشرف . ( 8 ) العج : رفع الصوت بالتلبية ؛ الثج : سيلان دم الهدي ، ( لسان العرب ، 2 . 318 ) .