محمد بن عبد الوهاب المكناسي
31
رحلة المكناسي
من رزقها وآجالها إلى منتهاها ، وأرزاق لنا متفاوتات فمن لم تأته منا أتاها ، نحمده سبحانه وتعالى على ما ألهم ، ونشكره على ما أنعم « 52 » . وقد سار في الصفحات الأولى على نفس الأسلوب المنمق ، مذكرا القارئ بما دأب عليه الفقهاء من استهلال حديثهم بجمل موزونة مسجوعة ، فها هو يواصل حديثه عن تكليف السلطان له بالسفارة وتدوين مشاهداته خلالها حيث يقول : " لكن كيف الطيران بلا جناح ، والبروز إلى الكفاح من غير سلاح ، على أن أرباب هذا الشأن ، الموسومين بالإجادة والإحسان ، الذين انقادت لهم البلاغة بأرسان ، لا يدخل أحد منهم لميدان التصنيف ، والجولان فيما فيه من صعوبة الترصيف إلا اعتذر ، وإن كان ممن نظم أو نثر ، فإن لم يسقط عثر ، فتجد الفحول يمهدون لأنفسهم الأعذار عند ذوي العلم والمقدار ، فكيف حال من هو على أنديتهم متطفل ، وللجولان في ميادينهم غير متأهل ، مع ترامي الأرضين والبلدان ، وفراق الأوطان والولدان ، جواب آفاق ، رفيق للوعة وإشفاق ، ونجي فؤاد خفاق « 53 » . والجدير بالإشارة في هذا المقام ، أنه لجأ إلى هذا الأسلوب المنمق بعد مقدمته المشار إليها في مواقف معينة استدعت التعويل على المحسنات البديعية ، مما جعل بعض المقاطع النثرية التي صاغ أسلوبها على هذا المنوال أقرب إلى الشعر ، لعذوبة ألفاظها وانسجام جملها وموسيقية إيقاعها . من ذلك مثلا وصفه للحفل الراقص الذي نظمه أهل ميناء سيراكوزة الصقلي على ظهر المركب الذي يقله حيث يقول : " ثم شرعوا في الرقص رجالا ونسا ، من غير تأخير ولا إنسا ، لأن ذلك عندهم من العوائد ، ومما لا ينخرم من القواعد ، وباتوا بليلة ذات مراح ، لا يعبأون بمن غدا أو راح ، من كل فتانة الطرف ، كثيرة الدلال والظرف ، مهرة مدللة للصبابة على حرف ، ودرة عن اللمس مصونة بيضاء مكنونة ، فلا ترى أعجب من ليلتنا بظباء القفار فوق أمواج البحار « 54 » .
--> ( 52 ) ابن عثمان ، الإحراز ، نفسه ، ص . 2 . ( 53 ) نفسه ، ص . 4 . ( 54 ) ابن عثمان ، الإحراز ، نفسه ، ص . 11 .