محمد بن عبد الوهاب المكناسي
32
رحلة المكناسي
وحين يفرض الموضوع على المؤلف اتخاذ أسلوب بسيط وجاف ، كما هو الحال مع مشاهداته خلال مراحل السفر ، فإننا نكاد نلمس أنه يتحين الفرصة لمعانقة أسلوبه المنمق والشاعري . فوسط وصفه لمصاعب الطريق التي فرضتها تضاريس آسيا الصغرى ، لم يفته تسجيل صور جميلة زادها الأسلوب الذي صيغت به جمالا ، من ذلك قوله عن البلاد التي مر منها منذ خروجه من إستانبول إلى خان الوزير : " . . . وماؤها كثير وأثرها كبير ، وظلها من كثرة الأغصان ظليل ونسيمها عليل ، ولا تمر بساقية فضلا عن وادي إلا على قنطرة مضروبة ، ولا بمكان ذي وحل إلا على جسر بحجارة مرصفة منصوبة " « 55 » . وفي مكان آخر يصف المنطقة التي مر منها بقوله : " ومن الغد سافرنا في بلاد منفسحة ، وفجاج مفرحة ومياه مطردة ، وطيور مغردة وأزهار على أنواع متعددة ، ما رأيت أكثر من هذه الأرض مياها عذبة ، مسامتين لجبل عن يميننا انبجست بالماء المعين عيونه ، وتتابع هديره وأنينه ، قد استوعب ذلك السهل سقيا ، وكساه من حلله السندسية رعيا ، وعذب منه الهوا ، وطاف في جوانبه النهر وعلى سوق أشجاره صله إلتوى « 56 » . وقد لا نكشف سرا إذا قلنا إن الأسلوب الذي يختاره أي مؤلف مرتبط بحالته النفسية ، وخاصة بالنسبة لرحالة يكتشف بلادا غير بلاده ، ويواجه مواقف متغيرة بعيدا عن أهله وذويه ، ومما يؤكد ذلك في حالة ابن عثمان أن اعتماده لأسلوب مسجع منمق ارتبط غالبا بحالة نفسية متميزة مر بها ، سواء كان مبعثها الارتياح أو القلق . فمن أمثلة الحالة الأخيرة ما ورد في نص يصف فيه المحنة التي عاشها خلال رحلة العودة بحرا من قبرص بسبب هيجان البحر حيث يقول : " فإن كان الريح موافقا لنا أتى وهو عاصف ، وأثار أمواجا لا يصفها لعظمها واصف ، وإن كان غير موافق ترجحت البوائق ، وتطلعت لولا فضل الله بأعناقها العوائق ، فذهب الوسن عن الأماقي ، وبلغت الروح التراقي « 57 » .
--> ( 55 ) نفسه ، ص . 84 . ( 56 ) نفسه ، ص . 86 . ( 57 ) ابن عثمان ، الإحراز ، نفسه ، ص . 251 .