محمد مهري كركوكي
74
رحلة مصر والسودان
ومن ذلك الحين اخذ نجم أحمد بن طولون بالظهور في أفق الاعمال السياسية فتوفى والده سنة 239 ه وهو لم يبلغ التاسعة عشرة من العمر وكان ذلك في أيام الخليفة المتوكل في الثماني السنوات الأولى فرأى في احمد اللياقة ليخلف أباه على امارة الستر . وكان احمد قد تعلم وتربى تربية حسنة وكان تقيا رضيّ الخلق كريم النفس لين العريكة مع اقدام وبسالة وعلم بالسياسة وكل مغرما بمطالعة الحديث فاكتسب شهرة بالتقوى والعدالة فاحبه جميع الضباط الأتراك الذين كانوا في بلاط الخليفة وفيهم أحد كبرائهم برقوق فازوج احمد ابنته فجاءه منها غلام دعاه عباسا وفي سنة 250 ه ثارت عصبة كبيرة تريد خلع المستعين وذلك ان المماليك الا تراك الذين كانوا يخدمون في بلاط الخلفاء وجندهم على ما تقدم كانوا يزدادون عددا وقوة منذ أيام المعتصم لتقلبهم في المناصب العالية فامسوا وفي أيديهم أزمة الدولة يديرونها كيف شاموا . وقد كانوا قبل وفاة المتوكل يقتنعون بعزل وتولية الامراء والوزراء وقتل من شاموا ممن ليس على غرضهم لكنهم بعد ذلك لم يعد يرضيهم الا التداخل في عزل الخلفاء وتوليتهم . فكانوا إذا لم يعجبهم خليفة سعوا في استبداله فيستنجدون أحزابهم وينفذون مآربهم . وقد كانت تولية المستعين باللّه بمساعي بعض كبراء الحرس الخاص فاستاء البعض الآخر وجعلوا يسعون في خلعه فخلعوه سنة 252 ه بعد ان تولى امرها ثلاث سنوات و 8 اشهر « خلافة المعتز بن المتوكل » وبعد خلع المستعين بايعوا ابن عمه المعتز باللّه وهو ابن المتوكل على اللّه وأخو المنتصر وكان محروما من حقوق الخلافة منذ قتل أبيه وعمره إذ ذاك 18 سنة وبضعة اشهر . وكان بعد ان فرّ من سجن سامرّا مع أخيه المؤيد باللّه قد أعادهما ابن عمهما المستعين إلى القيود . فالاحزاب التي قويت بعد ذلك وخلعت المستعين لم يكن لها دخل في قتل المتوكل فحلوا قيود المعتز وبايعوه يوم الجمعة في 14 محرم سنة 252 ه وجاؤوا إلى المستعين وأجبروه على أن يتنازل ففعل فنقلوه إلى قلعة وجعلوا عليه حراسا ثم ارسلوه إلى واسط في سرب تحت قيادة أحمد بن طولون فقتل في الطريق . ويقال إن الحاجب سعيدا هو الذي قتله بناء على أوامر سرية من المعتز باللّه . وقال البعض ان أحمد بن طولون هو الذي فعل ذلك بيده . غير أن الجمهور اجمع على تبرئته من هذه التهمة الفظيعة