محمد مهري كركوكي

65

رحلة مصر والسودان

رفع شأن الخلافة الاسلامية إلى حد من العظمة لم تدركه في سائر أطوارها فقد كان حازما عادلا تقياّ باسلا وديعا محبا للعلم والفضل وأهلهما ولدينا من الأحاديث عن كرم أخلاقه ما يتحدث به العامة والخاصة فنكتفي بأنه جعل الخلافة علما هو مسماها فإذا قيل لنا ان الامر الفلاني حصل في أيام الخليفة نفهم انه حصل في خلافة هارون الرشيد ومما يحكى عنه انه كان بينه وبين شرلمان ملك فرنسا في ذلك العهد صداقة وولاء وانه أهدى اليه أشياء كثيرة من أعمال الشرق منها الساعة الشهيرة المكتوب عليها بالحروف الكوفية « خلافة محمد الأمين » وفي يوم وفاة هارون الرشيد خلفه أبنه محمد الأمين أما المأمون فكان أبوه قبل وفاته قد وهبه جميع حلله وأسلحته الخصوصية وولاه خراسان بما فيها من العدة والرجال وأن يكون عليها حاكما مستقلا عن أخيه الأمين . فالأمين عند استلامه زمام الخلافة أنكر على أخيه وصية أبيهما ولم يسلمه شيئا مما له الحق به ويقال إن كل ذلك كان بدسيسة الفضل بن ربيع . فتنافر الاخوان والأمين أشدهما ضغينة فأرسل إلى الكعبة فأتى بالكتابين الذين جعلهما الرشيد هناك بيعة الأمين والمأمون فاحرقهما الفضل وجعل ولاية العهد لموسى بن الأمين فلم يبق بعد ذلك باب للمصالحة بين الأخوين . وكان الأمين منهمكا باللذات وشرب الخمر واللهو حتى ارسل إلى جميع البلاد في طلب الملهين وضمهم اليه وأجرى عليهم الارزاق وأحتجب عن أخوته وأهل بيته وقسم الأموال والجواهر في خواصه وفي الخصيان والنساء وعمل خمس حراقاث في دجلة على صورة الأسد وعلى صورة الفيل وعلى صورة العقاب وعلى صورة الحية وعلى صورة الفرس وانفق في عملها مالا عظيما وذكر ذلك أبو نواس في شعره فقال سخر اللّه للأمين مطايا * لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برّا * سار في الماء راكبا ليث غاب عجب الناس إذ راؤك عليه * كيف لو أبصروك فوق العقاب ذات سور ومنسر وجناحي * ن تشق العباب بعد العباب أما المأمون فكان متيقظا يتحين الفرص فدعا إلى مبايعته بخراسان فالتف حوله حزب كبير يدعون إلى نصرته لما رأوا فيه من العدل وكرم الاخلاق ثم جعل المأمون يجمع قواته ويستنصر دعاته واتحد معه هرثمة بن أعين الذي كان أميرا على مصر قبل - 9 -