فتح الله الصائغ الحلبي
68
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
بهذه الألفاظ : « من مهنا الفاضل بن ملحم إلى الشيخ إبراهيم وعبد اللّه الخطيب ، بعد السلام عليكم ورحمة اللّه لديكم ، حضر ولدنا ناصر من تدمر وأخبرنا عنكم وأنكم تريدون الحضور إلى عندنا ، حلّت البركة « 3 » بمجيئكم ، فاحضروا ولا تخافوا ، فلا يصيبكم غير مطر السماء ، أمان اللّه عليكم ورعايته ، وسلموا على أخينا الشيخ رجب العروق » . ثم الدعاء والتوقيع : تحيات مهنا الفاضل ، مع الختم بالحبر إلى جانب الاسم . فحالا بادرنا وحزمنا حوائجنا وما بقي معنا من الرزق . وصباح اليوم الثاني ودعنا الشيخ وسائر الأحباب وتوجهنا . وكان مسيرنا ما بين الشرق والشمال نحو أربع ساعات ، ثم وصلنا إلى قرية يقال لها أرك ولها ماء جارية عظيمة وتحتوي على نحو عشرين بيتا ، سكانها مثل أهالي تدمر ، وهم متوافقون مع التدامرة على حمل الحجاج ونقل الملح ، ويمارسون نفس الصناعات . فملأنا الجود ماء من ذلك المكان وسرنا طالبين منازل مهنا الفاضل . وفي طريقنا التقينا بعدد من العربان ، ولكن لم يعكر أحد منهم لنا خاطرا ، إذ كان معنا رجال من أتباع مهنا ، إلا أنهم كانوا يلقون علينا الأسئلة ، فيرد عليهم رفقاؤنا العرب : إنهم رائحون عند الملحم ، وهذا لقب طائفة مهنا الفاضل ، فأبوه اسمه الفاضل ، وهو مهنا ومن بيت الملحم ، والعادة عند العرب أن يسموا الإنسان بأسمه واسم أبيه حتى يعرف من هو ولا يبقى مجهولا . وبعد مسير عشر ساعات من تدمر ، وصلنا إلى النزل السعيد ، فوجدنا نزلا عظيما للعرب ، يجمع نحو ألف وخمس مئة بيت ، في مكان يقال له ضبع . فدخلنا بيت مهنا ، فترحب بنا وعمل لنا غاية الإكرام وأمر لنا بالقهوة فسقونا القهوة ثلاث مرات متوالية ، وهذا من جملة عوايدهم إذا كان الضيف عزيزا عليهم يقدمون له القهوة كثيرا . ثم أحضروا لنا العشاء وكان مطبوخا وحارا جدا ، وعادتهم أن يأكلوا بأيديهم من غير معالق ، وكنا جائعين فاضطررنا أن نأكل مثلهم بأيدينا ، وكان ذلك لأول مرة ، فحصل لنا من جراء ذلك أضرار وحروق بأيدينا . فقال لنا المهنا : يا ضيوف ، أظن « 4 » أن أيديكم احترقت من الطعام ، بسبب عدم إعتيادكم ؟ فقلنا نعم ولكن لماذا لا تستعملون المعالق ، فقال واحد منهم نحن جماعة بدو ، نمشي على ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا ، وكل شيء عندنا طبيعي : اليد يدك والفم فمك ، كلاهما عضوان منك ، فلأي سبب نحتاج أن نجعل بينهما واسطة غريبة من خشب . فقلنا الحق معك . والتفت إلى الشيخ إبراهيم وقلت له : هذا أول فيلسوف من العرب .
--> ( 3 ) « يا حلة البركة » . ( 4 ) « على تخميني » .