فتح الله الصائغ الحلبي
69
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
وفي اليوم الثاني أمر المهنا أن يذبحوا لنا جملا وذلك لأجل إكرامنا ، لأننا استخبرنا عن ذلك فأخبرونا أن هذه عادة العربان إذا أرادوا أن يكرموا ضيوفهم إذا كانت الضيوف غالية عليهم جدا ، فهم يذبحون جملا لأنه أكبر ما عندهم . فأكلنا ذلك اليوم لحم الجمل للمرة الأولى ، فوجدنا أن طعمه كلحم الغزال نوعا ما . والنتيجة أنه حصل لنا إكرام زائد لأنه بيت 1 / 20 مشهور بالكبر والقدم والصيت والكرم . ومهنا رجل / طاعن بالسن ، عمره نحو ثمانين سنة ، حقير من الرجال « 5 » ، ذقنه مثل الكوساة ، شديد الطرشة ، يجب على من يتكلم معه أن يصرخ بأعلى صوته حتى يسمع ، ضعيف الجسم ، غشيم على بركة اللّه ، ملبوسه زري جدا . إنما محاسنة كثيرة : نظيف القلب لا يعرف الغش ، كريم ومن بيت قديم من أكابر العرب . فهذه المحاسن تغطي على عيوبه ، وتجعله مقبولا عند العرب وعند الحكام في البلاد ، لأن عليه وظيفة من طرف والي الشام قديمة العهد ، وهو يرافق الحجاج إلى مكة من دمشق ذهابا وإيابا . وله من وزير دمشق كل سنة خمسة وعشرون كيسا يقبضها قبل ذهاب الحجاج يسمونها الصّرّ « 6 » . له ثلاثة أولاد أكبرهم ناصر وهو الذي تقدم ذكره ، وثانيهم فارس وثالثهم حمد ، جميعهم فرسان يركبون الخيل ومتزوجون وكلهم في بيت واحد . فالبيت طوله ثلاثون ذراعا ، من الشعر الأسود ، مقسوم إلى ثلاثة أقسام بقواطع من جنسه أي من الشعر . القاطع الأقصى للطبخ والمؤنة والعبيد والخدام ، والثاني للحريم والنوم ، والثالث من الطرف الآخر ديوان مجلس الرجال يسمونه ربعة . هذا الذي عرفناه ثاني يوم من وصولنا عنده . وفي اليوم الثالث فتحنا بضائعنا وابتدأنا نبيع للعربان . فازدحمت علينا النساء للشراء لأنهن رأين أن بضاعتنا جيدة ورخيصة ، فكنت أقول للشيخ إبراهيم : يا سيدي ، هذا السعر لا يلائم ، نحن نخصر عليهن ، فقال : فكأني بك نسيت الشرط الذي بيننا : لا تعارض ولا تسأل عما أفعل . فسكت وقلت بنفسي الحق عليه . هذا وبعد يومين رأينا أن بعض عربان هذه القبيلة أخذوا يتواردون ويجتمعون خارج البيوت بالسهل ، إلى أن صاروا نحو خمسين نفرا بخيولهم ورماحهم . وخرج ناصر المهنا من البيت هو وابن عم له يقال له الشيخ زامل ، وذهبا حيث اجتمعت الناس ، وبقيا هناك نحو ساعتين ثم رجعا . أما الخيالة فكل واحد منهم ركب وذهب إلى بيته . فصرنا نحن نتشوق
--> ( 5 ) كذا ، والصائغ يريد أن يقول : لا يؤخذ بعين الاعتبار . ( 6 ) الصّرّ : راتب تقدمه الدولة لبعض كبار المشايخ للمحافظة على الحجاج ، ولعل هذه الكلمة محرفة عن الصّرّة أي كيس الدراهم .