فتح الله الصائغ الحلبي
54
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
أحدا بها . قلت : معاذ اللّه لا يمكن أن تطلع من فمي إلى مخلوق . قال في مغارة بعيدة ساعة عن القرية خابية ملآنة ذهبا ، وهذه القطعة منها . وأعطاني قطعة ذهبية قديمة من سكّة تدمر ، وقد صودرت مع حوائج الخواجة لاسكاريس بعد نياحته في مصر القاهرة . فحين أعطاني الذهب حققت ذلك « 17 » ، وقال لي : « إنني لست قادرا على تصريف الذهب ، ولذا أرى أن تذهب معي سرا حتى أريكه ، ثم تنقله رويدا رويدا ، وتصرفه وتعطيني عملة دارجة المبلغ الذي يسمح به خاطرك » . ففرحت وقلت بنفسي أن لا أكلم الشيخ إبراهيم بهذا الأمر إلا بعد أن أرى جليلة الخبر . وفي اليوم الثاني انسللت من الجماعة ، وطلع حسيسون خارج القرية واجتمعنا ومشينا سوية . وكان معه بندقية « 18 » وسيف وعصا رأسها مكتل به مسامير من حديد يسمونها كناة . فسرنا نحو ساعة من الزمن ، وأنا ليس معي غير قصبة التوتون « 19 » ، إلى أن وصلنا إلى مغارة مظلمة . فدخلنا إلى صدر المغارة إلا أني لم أجد فيها شيئا . فقلت له : أين الخابية ؟ فاصفر لونه « 20 » وقال : أيش « 21 » رماك معي ؟ أعلم أن اليوم آخر حياتك في هذه الدينا ، وكنت قتلتك قبل أن انزع عنك ثيابك ، إلا أنها تتلوث بالدماء وتصبح غير صالحة . فإذا اشلح ثيابك وأعطني الكيس الذي كنت تضع فيه الدراهم ثمن البضائع التي بعتها للناس نحو ألف 1 / 13 غرش ، وهذه طمعتي بك ، وتأكد أنك لن ترى النور / بعد اليوم . فابتدأت آخذه بالكلام اللين وأكدت له أني سأعطيه أكثر مما هو متأمل أن يأخذ مني ، وأني لن أحكي لأحد ولن تطلع من فمي هذه الدعوى . فقال : هذا الكلام لا يفيدك ، فإذا أنا أطلقتك لا بدّ أن تحكي وتكون سبب موتي . فصرت أحلف له بالأيمان العظام والأقسام الكبار أني لن أحكي ، وأني سأعطيه شيئا كثيرا إذا سمح لي بدمي . فقال : لا يمكن ذلك وأني لم أحضرك إلى هذا المكان لتبقى حيا ، بل لأقتلك وأطفيء خبرك ، لأني إذا أبقيتك على قيد الحياة أموت أنا . فمن بعد كلام كثير وجدال طويل اسند بارودته على الحائط والكناة جنبها ، وهجم علي مثل الذئب على الخاروف ، ومراده أن يأخذ ثيابي وبعد ذلك يقتلني . ثم وصل إلي وأمسكني ، وكان أكبر
--> ( 17 ) كذا في الأصل ولعل الصائغ يريد أن يقول : تحققت من صحة كلامه . ( 18 ) « تفنكه » . ( 19 ) التبغ . ( 20 ) من العجب أن يرى الصائغ في الظلمة اصفرار وجه عدوه . ( 21 ) أي شيء .