فتح الله الصائغ الحلبي

55

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

مني عمرا واقتدارا ، قويا جدا ، يأكل ثلاثة مثلي ، فتضرعت إلى اللّه تعالى واستغثت بسيدي سلطان الخيرات الذي هو حاميني ، وتصور أمامي كامل إخواني وأهلي وأحبائي وقلت في بالي : ما أشنعها من موتات ، وعزّت علي الدنيا وخرّت الدموع من عيوني وقلت : إيه يا جبار ، يا قوي ، يا باسط الأرض ورافع السماء ، يا مخلص عبيدك من الشدائد ، أن تعينني وتخلصني من يد هذا الظالم ، ثم التفت إليه وقلت : يا صاحبي أي عداوة بيننا وأي سبب يحملك على سفك دمي في هذا المكان المنقطع ، وأي أذية وأي ضرر صدر مني في حقك ؟ أما تعلم أن يوم اللّه قريب ويطالبك خالقي بدمي ؟ فعبس وجهه وحملق فيّ بعينيه وأمسكني وجذبني إليه ، وأخذنا نتعارك ، ووجدت في نفسي قوة عظيمة من حلاوة الروح والخوف من الموت . وظللنا في صراع نحو ساعة من الزمن ، حتى خمش وجهي ورقبتي وخدش يديّ وساحت دمائي من كل أطرافي وتمزقت ثيابي وأصبحت في حالة لا توصف ، وأنا دائما غير قاطع أملي من الدنيا ومفكر في حيلة يكون بها نجاتي من يد هذا الشرير . وأثناء ذلك تمكن من القبض على عنقي وحاول أن يخنقني وضغط « 22 » بكل قواه ، أما أنا فما كنت كسلان ، 2 / 13 وقبضت بكلتا يدي على كيسه بين فخذيه / وأطبقت « 23 » عليه بكل عزمي ، فزاغ بصره واصفر لونه ووقع على الأرض مغشيا عليه لا يدرك شيئا . فحالا أخذت سيفه من جانبه ثم التفت وأخذت البارودة والكناة وخرجت من باب المغارة وأنا من فرحي لا أصدق حالي ، ومشيت على الدرب طالبا الضيعة . وبعد نحو ربع ساعة نظرت إلى الخلف فرأيته راكضا . وهو يصيح ويستجير بي ويطلب مني أن أقف ، فوقفت لأني لم أبق خائفا منه فالسلاح بيدي . فحين أصبح قريبا مني أخذ يبكي ويتوسل إلي ويقول : ما أصغر عقلك ، أنا لعبت معك حتى أجرب صداقتك وأنت ظننت أني كنت على جد ؟ فأخذت البارودة بيدي وقلت وحق من خلصني من يدك وهو جبار السماوات والأرض . إن خطوت خطوة ثانية نحوي « 24 » ملأت « 25 » بطنك رصاصا . واعلم أنه لم يبق لك خلاص ، وإن شاء اللّه إني سأجعل قتلك شهرة حتى يتأدب كل ملعون مثلك . فحين رأى أن محاولته قد فشلت ، وهو عارف أنه مذنب جدا وأنه إن عاد إلى القرية سيقتله الشيخ سليم ، فحينئذ أرتدّ إلى الوراء وهام على وجهه في البرية .

--> ( 22 ) « قرّط » . ( 23 ) « قرّطت » . ( 24 ) « صوبي » . ( 25 ) « عبّيت » .