فتح الله الصائغ الحلبي

40

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

ثم سافرنا من حماة مع قافلة حمص ، والطريق من حماة إلى حمص اثنتا عشرة ساعة . فبعد خروجنا من حماة بست ساعات وصلنا إلى نصف الدرب ، إلى بلد قديمة يقال لها الرّستن « 21 » ، وهي الآن خراب ولم يبق منها إلا شيء قليل ، ولكن بها عمارات قديمة ظاهرة إلى الآن ، وهي مثل قلعة على عاصي حماة ، وأمامها جسر . وفي السابق على ما جاء في التاريخ ، كانت بلدا عظيمة منيعة حتى في زمن الفتح الإسلامي . ويخبر سلفنا الأب « 22 » مارينس الذي أرّخ في مجلدين ما جرى أيام الفتح ، في خلافة عمر الخليفة الثاني بعد محمد ، مع الروم على زمن الملك أورليانوس الذي كان يومئذ بالقسطنطينية ، إن جيش « 23 » الإسلام عجز عن أخذ الرّستن ، فعمل خالد بن الوليد ، قائد الجيش الإسلامي يومئذ وصاحب القبر المشهور بحمص ، حيلة ليضع يده على البلد . وذلك أنه أتى بأربعين صندوقا كبيرا وأدخل في كل واحد منها رجلا مسلحا وأغلق « 24 » الصناديق ، ولكن بنوع أنه يمكن لمن بداخلها أن يفتحها . ثم تقدم بكل جيشه إلى الرستن ، وبعث رسولا إلى حاكم البلد يقول له : يا محبنا ، لا حاجة لي بالرستن ولا أريد أخذها ، وأنت صاحبي وصديقي ، ومهما تطلب مني فعلى الرأس ثم العين . والآن أنا متوجه إلى حلب لحصارها وإني سافتحها بعون اللّه ، إنما معي أحمال وعفش وصناديق كثيرة 2 / 6 تتعبني جدا / فأرجو منك ، يا محب ، أن تضع لي عندك بعض الصناديق التي لا أحتاج إليها الآن ، ومتى رجعت من حلب أستردها وأشكر فضلك . ففرح الحاكم من ذلك وقال في نفسه [ إنه من المستحسن تلبية هذا الطلب ] أولا لأني أكسب صداقة هذا القائد ، وثانيا أصرفه عني . أما الأمير خالد فإنه أمر رجاله الذين داخل الصناديق أن يفتحوها حالا متى سمعوا دق النواقيس ، إذ تكون جموع النصارى وقتئذ في الكنيسة ، ويهجموا على باب البلد ويفتحوه ، ويكون هو مع عساكره واقفا أمام الباب ، فيدخل ويملك البلد ، إن شاء اللّه . فأدخل الحاكم الصناديق ، وفي اليوم الثاني ، بينما كانت الناس بالصلاة ، خرج الأربعون رجلا وركضوا وفتحوا الباب ، ودخل عسكر الإسلام ، وملك خالد البلد ، وقتل الحاكم وجملة من الناس ، ورتب

--> ( 21 ) الرّستن : « بليدة قديمة كانت على نهر الميماس ، وهذا النهر هو اليوم المعروف بالعاصي . . . والرستن بين حماة وحمص في نصف الطريق ، بها آثار باقية إلى الآن تدل على جلالتها وهي خراب . . . وهي في علو يشرف على العاصي » . ( ياقوت ، معجم البلدان ) . ( 22 ) « لأبي » أي Iabbe . ( 23 ) « أرضي » ، ويكرر الصائغ هذه الكلمة في أماكن عديدة من مذكراته ، ويريد بها الجيش . ( 24 ) « سكّر » .