فتح الله الصائغ الحلبي
41
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
حاكما من طرفه وتوجه بعدئذ إلى حلب . فمن ذلك اليوم ابتدأ خراب هذه المدينة ولم يبق منها اليوم إلا الرسم . ثم سافرنا من الرستن إلى حمص ، فدخلناها بعد العصر ، فسألنا حالا عن الرجل الذي نحمل إليه الرسالة ، فدلونا على بيته . فذهبنا عنده وأعطيناه المكتوب ، فقرأه وحالا رحّب بنا وأدخلنا بيته بكل إكرام . وبعد العشاء حضر عنده عدد من الناس من أمثاله ليسهروا ، ومن جملتهم رجل فقير الحال ، بثياب رثة ولحية « 25 » ، ولكنه كان فصيح اللسان حلو الحديث . فأخذ يتكلم عن العرب وأحوالهم وعما يحصل عندهم من الأمور . فانشرح الخواجة لاسكاريس من هذا الحديث ، وقرّب هذا الرجل منه ، وأخذ يتكلم معه بكل إنسانية ومحبة ، ويستفهم منه عن أحوال العرب . ثم سأله عن اسمه فقال له نوفل السّنكري أي الذي يصنع قرب السيوف ويصلح البنادق « 26 » . ثم أضاف قائلا : إنني في كل سنة ، حين تقرب العربان من ديرة حمص ، أذهب وأشتغل عندهم ، وفي الشتاء حين يشرّقون « 27 » أعود إلى بيتي . ولي معارف وأصدقاء كثيرون من العرب . فسرّ الخواجة لاسكاريس من هذا الخبر وفرح ، والتفت إلي وقال : إني رأيت هذه الليلة أخي وكل أهل بيتي . فقلت له : يا سيدي لا يوجد في هذا المكان أحد من بيت دي فنتيميل ؟ فقال : إن معرفتي بنوفل أحسن عندي 1 / 7 من رؤية أخي . / ثم انصرف الناس ، وأعد لنا صاحب البيت فراشا « 28 » واحدا لنومنا . وكان من عادة الخواجة لاسكاريس أن لا ينام مع أحد ، وكان طبعي مثله . فقلت في نفسي : المسألة تحتاج إلى مسايرة وتدبير إلى أن ينام الخواجة لاسكاريس وعندئذ سأنسل بكل لطف وأنام على الأرض . وكذلك فكرّ هو أيضا بهذا الرأي . ثم أطفأنا النور لأنه ما كان يحب النوم في الضوء . وانتظرت قليلا حتى ظننت أنه نام ، ثم أنسللت من الفراش والتحفت بمشلحي ونمت على الأرض ، وفعل هو كذلك . وحين أصبح الصباح وجد كل واحد منا صاحبه على الأرض والفراش خاليا . فضحكنا جدا ، ونهض حالا الخواجة لاسكاريس وعانقني وقبلني وقال لي :
--> ( 25 ) « ذقن » . ( 26 ) « التفنك » . ( 27 ) يرحلون إلى الجهات الشرقية . ( 28 ) « فرشة » .