فتح الله الصائغ الحلبي
33
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
ما أقول وأفعل ، أريد منك أيضا طاعة عمياء ، مهما قلت لك تفعله من غير مراجعة ولا سؤال عن سبب فعل ذلك ، ولو ظهر لك أن ذلك خلاف لما يجب أو يقتضي عمله ، عليك أن تفعله وتبقى ساكنا وسوف ترى ثمرة قولي . فكنت تارة أضحك في قلبي ، وتارة أراجع حالي وأقول في نفسي لا بد من أمر كبير للغاية . ثم ابتدأنا نتسوق . فقلت له يا سيدي ما ذا تريد أن نشتري من البضائع . فقال : كندكي « 5 » أحمر ، أعني خام مصبوغ أحمر يؤتى به لحلب من تفليس « 6 » ، أحد بلاد الكرج ، وكذلك مسابح كهربا ، ماسات مربوطات ، ومرجان ، وخرز ملون الأشكال ، وأساور زجاج « 7 » ، ومناديل خمريات يسمونها في حلب كساجور ، وإبر ، ودبابيس ، ومرايا صغيرة ، وبخور البان ، وميعة « 8 » ورق ، وشملات سود قزّ وحرير ، وقمصان قز حمر مطبوعات 2 / 3 بأسود ، وأمشاط خشب ، ولجم خيل ، وفلفل وقرنفل ، / وسكر نبات ، ومسابح عرق لؤلؤ ، وكمّون . فبلغ ثمن جميع ذلك أحد عشر ألف غرش . فوضعنا في الصناديق ما يمكن وضعه ، وما يمكن ربطه حزمناه حزما « 9 » ودبرنا كل أمورنا وأنهينا جميع أشغالنا من حلب . وكان كل من يرى ذلك يضحك مننا ويقول : عمرنا لم نر مثل هؤلاء التجار ، وا أسفاه « 10 » على هذه الغروش التي صرفتوها . وخصوصا أن الخواجة لاسكاريس ، لأجل تدبير مآربه وتمشية أشغاله ووصوله إلى مرامه ، كان يظهر حاله نوعا ما خفيف العقل ، وكان دائما بهيئة « 11 » زرية ، يرخي لحيته ، ويلبس مشلحا أسود ، وبرجله صرماية « 12 » حمراء ، وبرأسه لفة وسخة ، إذا تكلم معه أحد يعمل كأنه لم يسمع ، يأكل بالسوق ويقوم بحركات تحوج الناس أن تقول عنه أنه مجنون ويضحكون منه . وأما أنا فما كنت قط أضحك منه ، لأنه كان حين يدخل الغرفة ويغلق بابها وأنا معه ، ينتقل إلى درجة فيلسوف عظيم ، ويبدأ يضحك من الناس الذين ضحكوا منه واستهزؤا به ، ويقول لي : ما ذا يقولون عني يا ولدي ؟ فأقول : يقولون عنك أنك
--> ( 5 ) كلمة من الفارسية . ( 6 ) تفليس ، بفتح التاء وتكسر ( ياقوت ، معجم البلدان ) . ( 7 ) « قذاذ » . ( 8 ) بخّور . ( 9 ) « عملنا فردات » . ( 10 ) « يا حيف » . ( 11 ) « كسم » . ( 12 ) حذاء يلبسه خاصة البدو والفلاحون .