فتح الله الصائغ الحلبي

34

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

مجنون عديم العقل كليا . فيقول : وأنت ما ذا تقول عني يا حبيبي ؟ فأقول له : إنك معلم جليل وأعظم الفلاسفة الموجودين بعصرنا هذا . فيضحك ويقول إنك لم تر بعد شيئا مني ، ولكن سوف ترى أفعال أبيك الروحي لاسكاريس . ولكن لا تسألني عن شيء أبدا إنما انظر بعينيك ما سيقع مني شيئا فشيئا . ثم بعد ذلك جميعه شددنا الأحمال ودبرنا كل أمورنا لأجل السفر . وقبل سفرنا بيومين جاء بزئبق ووضع معه أجزاوات هو يعرفها ، وجعل الزئبق مثل الدهن ، وملأ منه علبة . فقلت له يا سيدي ووالدي : لما ذا يصلح هذا ؟ قال : ألم أقل لك مهما رأيت لا تسأل عنه . قلت : نعم ، ولكني أظن أن هذا السؤال لا يضرك الجواب عليه . قال : إنه لأجل القمل كي لا يقرب منا ، تدهن خيطا منه وتضعه في رقبتك فلا يجيء القمل نحوك . فقلت له : يا سيدي 1 / 4 هل تظن أن قمل أهالي حماة وحمص يسعى على الأرض ؟ فضحك وقال : إن الشرط الأول / الذي شرطه عليك ألّا تبحث عما أفعل بل تنظر بعينيك فقط . ثم ثاني يوم من بعد هذا الحديث قال لي : يا ولدي كنت مزمعا على السفر عاجلا ، ولكني رأيت من المستحسن أن أبقى في حلب ثلاثين نهارا ، من غير عمل شيء كليا ، بل إن هذه الأيام الثلاثين جعلتها لك ، تمضيها بالبسط « 13 » والغناء واللعب والسهرات ، والانشراح مع النساء ، وجميع أنواع اللهو « 14 » ، واصرف مهما أردت ، فإن هذا الصندوق المملوء دراهم كله لك ، لا تتوقف عن شيء كليا . فأخذت أقول في نفسي : يا صبي ، اللّه والعالم ، هذا كلام من يريد أن تودع الدنيا ، وكأن منتهى حياتي سيكون على يده ، وعند ذلك رميت كل هم وغم وكرب عن بالي ، وابتدأت بالبسط والسهرات والبساتين والمآكل اللذيذة والفرح ، وعملت كل ما يلذني ويسر خاطري . وأقمت ثلاثين نهارا على هذا الحال ، وهو كل يوم يحضر إلى عندي ويقول لي : كن مسرورا ولا تتوقف من شيء . فما زلت على هذا الحال حتى مضت الأيام الموعودة . فقال لي : يا عزيزي قد انتهت الثلاثون يوما ، فهلمّ بنا نسافر ونربح المكاسب . فقلت في بالي : ليس عليك علامات الذين مرادهم أن يكسبوا ، ولكني سأكون طويل البال وإن شاء اللّه سوف أعرف مرادك .

--> ( 13 ) « بالكيفيات » . ( 14 ) « المكيفيات » .