فتح الله الصائغ الحلبي

23

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

يكثر استعمالها في البادية ، وإن منهم من كان يلبس الخوذة وقميص الزرد ، أما الأسلحة النارية فإن الدراج عندهم البارودة ذات الفتيل . ومن أغرب ما جاء في مذكرات الصايغ عن أعراف البادية عادة « دفن الحصى » ، ولا يكون ذلك إلا بعد الصلح التام وصفاء القلوب بين خصمين عنيدين وعدوين لدودين طال الخلاف بينهما ، وجرى عليهما من جراء ذلك الأمور العظام . وعندئذ ينسى كل منهما ما مضى ، ولا يطالب بثأر أو مال . ويعلمنا الصايغ كيف تتم عملية دفن الحصى وما هو مغزاها ، إذ شاهد ذلك عيانا بعد أن رضي الدريعي بالصلح مع مهنا الفاضل ، فوصفها ثم قال : فتعجبنا أنا والشيخ إبراهيم ( لاسكاريس ) من ذلك ، لأننا ما كنا رأينا هذه النكتة ولا سمعنا بها . ويظهر أن هذه العادة طاعنة بالقدم ، إذ تكلم عنها ، كما قلت أعلاه ، شهاب الدين العمري في كتابه : « التعريف بالمصطلح الشريف » « 18 » ، ووصفها أيضا ابن ناظر الجيش في تثقيف التعريف « 19 » ، والقلقشندي في « صبح الأعشى » « 20 » . ولا نعلم أن أحدا من المختصين بالبادية وأحوالها أتى على ذكرها ، مما يثبت صدق رواية الصايغ . واعتقادنا أنها زالت اليوم ، غير أن ذكرها بقي محفوظا عند بدو الأردن ، فهم يقولون حفر ودفن ، و « حفار ودفان عليهما أدامة إلى يوم القيامة » . ولا يسعنا هنا أن نعدد جميع محاسن كتاب فتح اللّه الصايغ « 21 » ، وفي قراءته أكبر برهان ، لأنه على الرغم من أخطائه التاريخية وميل مؤلفه إلى الغلو ، وثيقة حية عن بلاد الشام وباديته . وهذا الاطراء لا يعني أن صاحبه صدق في كل شيء . فقد يكون زاد في قصة لاسكاريس ونمقها ، ولكنها ليست من مبتدعاته ،

--> ( 18 ) شهاب الدين العمري ، التعريف بالمصطلح الشريف ، ص 165 وما بعدها ، القاهرة ، 1312 . ( 19 ) ابن ناظر الجيش ، تثقيف التعريف ، مخطوطة الاسكوريال ، ورقة 97 و 98 . انظر أيضا مقالنا بالفرنسية : « دفن الذنوب عند العرب » مجلة تاريخ الديانات ، نيسان - حزيران 1959 ، ص 215 وما بعدها ، وأيضا الموسوعة الإسلامية ، مادة « دفن » . ( 20 ) القلقشندي ، صبح الأعشى في صناعة الانشا ، ج 13 ، ص 352 وما بعدها ، دار الكتب السلطانية ، القاهرة ، 1918 . ( 21 ) أتينا على ذكر بعض هذه المحاسن في مجلة العرب ، ج 11 ، 12 ، س 20 ، 1406 / 1986 ، ص 775 - 798 .