أبو عبد الله العبدري

49

رحلة العبدري

قبر الشّيخ الصّالح القدوة فرد زمانه أبي مدين « 1 » - رضي اللّه عنه ، ورزقنا بركته - وعليه رباط مليح مخدوم مقصود ، والدّائر بالبلد كلّه مغروس بالكرم وأنواع الثّمار ، وسوره من « 2 » أوثق الأسوار وأصحهّا ، وبه حمّامات نظيفة ، ومن أحسنها ، وأوسعها ، وأنظفها ، حمّام العالية « 3 » ، وهو مشهور ، قلّ أن يرى له نظير . وهذه المدينة بالجملة ذات منظر ومخبر ، وأنظارها متّسعة ، ومبانيها مرتفعة ، ولكنّها مساكن بلا ساكن ، ومنازل بغير نازل ، ومعاهد أقفرت من متعاهد ؛ تبكي عليها فتنسكب الغمام الهمّع « 4 » ، وترثي لها فتندب الحمام الوقّع . إن نزل بها مستضيف قرته بوسا ، أوحلّ فيها ضيف كسته من رداء الرّدى لبوسا . وأمّا العلم فقد درس رسمه في أكثر البلاد ، وغاضت أنهاره فازدحم على الثّماد « 5 » . فما ظنّك بها وهي رسم عفا طلله ، ومنهل جفّ وشله « 6 » ، وقد حضرت بها مدرّسا مذكورا عندهم يقرأ عليه باب التّوكيد من « الجمل » « 7 »

--> ( 1 ) - هو شعيب بن الحسن الأندلسي : من مشاهير الصوفية ، وأصله من الأندلس ، أقام بفاس ، وسكن بجاية ، وتوفي بتلمسان سنة 594 ه . له « مفاتيح الغيب لإزالة الرّيب وستر العيب » . ترجمته في عنوان الدراية : 55 ونيل الابتهاج : 127 ، وتعريف الخلف 2 / 180 . ( 2 ) - ليست في ط . ( 3 ) - بقي هذا الحمّام قائما إلى أن حوّله الفرنسيون أيام احتلالهم للجزائر إلى مخزن عسكري ، ويقع بين ثكنة ( المشور ) وثكنة ( كور مالة ) الواقعة أمامها انظر الإعلام بمن حلّ مراكش . . . 4 / 289 . ( 4 ) - همع الماء : سال . ( 5 ) - الثماد : الحفر يكون فيها الماء القليل ، وغاض الماء : نقص أو ذهب في الأرض . ( 6 ) - الوشل : الماء القليل يتحلّب من جبل أو صخرة ، يقطر منه قليلا قليلا ، ولا يتّصل قطره . ( 7 ) - سقط من ط . وكتاب « الجمل » للزجاجي .