محمد بن عبد الله الصفار

92

رحلة الصفار إلى فرنسا

أن ذلك ليس من عيوب الأعراف والتقاليد الإسلامية ، بل يعتبر على العكس من ذلك مؤشرا على مدى كفاءة الكتاب واعتماده على مصادر من الدرجة الأولى تستحق كامل الثقة بل والاقتداء بها . ولما كان الطهطاوي رجلا عالما شأنه في ذلك شأن الصفار ، فقد كان عليه القيام بدور مماثل ، وهو تقديم الوعظ والنصائح الدينية إلى مجموعة من المسلمين غير المتبحرين في شؤون الدين ، أثناء إقامتهم في وسط تسود فيه ثقافة أجنبية عنهم . وقد كان مصدر المعرفة الذي نهل منه الرجلان واحدا ، كما كانت نظرتهما إلى العالم مماثلة ، هذا رغما عن عدم وقوع لقاء سابق بين شخصيهما . إذ كانت تجمع بينهما نوع من القرابة الروحية التي جعلت الصفار يطمئن إليه ، ويستمد منه كل ما كان في حاجة إليه بطريقة بسيطة . وكان الصفار يقدر الطهطاوي لسبب آخر ، هو أن العالم المصري سمحت له الظروف بالمكوث مدة قاربت خمس سنوات في باريز ، بينما لم يقم هو نفسه بالعاصمة الفرنسية سوى خمسين يوما . ويعترف الصفار بأنه لم يتردد في البحث عند الطهطاوي عن كل ما يعوزه في تجربته الشخصية وخاصة في كل ما يتصل بخصوصيات المجتمع الفرنسي . غير أن هناك حدودا واضحة للتشابه الموجود بين الرحلتين ، لأن الظروف التي تمت فيها كل واحدة منهما تظل مختلفة . وحينما غادر الطهطاوي مصر متجها إلى فرنسا خلال سنة 1826 ، كانت الحركة الإصلاحية في بلاده قد أخذت طريقها منذ مدة ، بفعل وجود إرادة حديدية لدى حاكم البلاد محمد علي باشا « 1 » . وإن مظاهر التغيير وأنماطه التي بدأت تحدث على أرض الواقع في الديار المصرية لم تؤخذ بعد بعين الاعتبار في المغرب ، ولم تعرف بداياتها الأولى إلا بعد مرور عشرات السنين . إذ كان العديد من المصريين يدرسون ويناقشون مواضيع في الفلسفة الفرنسية وعلوم السياسة ، والقوانين والأعراف الاجتماعية ، والمعرفة العلمية ، وكلها أشياء لا عهد للمغاربة وقتئذ بفهمها أو بتقديرها حق قدرها . والدليل على ذلك ، هو الغياب الكلي والمطلق عند محمد الصفار في رحلته لبعض المواضيع الوارد ذكرها في كتاب الطهطاوي . ولا بد من التذكير أيضا بأن الطهطاوي كان مبعوثا إلى فرنسا من لدن قائد

--> ( 1 ) عن حركة الإصلاح في مصر ، انظر الآتي : A . L . as - Sayyid Marsot , A Short History of Modern Egypt ( Cambridge , 1985 ) , pp . 54 - 66 .