محمد بن عبد الله الصفار
93
رحلة الصفار إلى فرنسا
سياسي كان يوجد يومئذ في وضعية المهاجم . هذا في حين كان الصفار قد أرسلته زعامة تعيش في فترة اتسمت بالتراجع . وكان هدف الطهطاوي هو أن يكون مدافعا عن الإصلاحات ، بينما لم تتجاوز نوايا الصفار مستوى القيام بالمشاهدة وتحرير وصف لها على هيئة تقرير . ومن جهة أخرى ، فإن رحلة الطهطاوي لقيت كل التشجيع ونالت إعجاب الخديوي بها ، بينما لم يقرأ رحلة الصفار إلا عدد محدود من الأشخاص الموجودين ضمن حاشية السلطان ، والذين كانت مواقفهم من التغيير مشكوكا في طبيعتها إلى حد كبير . ويمكن القول في نهاية التحليل إن كل هذه العوامل المتباينة قد حددت طبيعة كلتا الرحلتين وجعلت إحداهما تختلف عن الأخرى . غير أن ما ينفرد به الصفار في رحلته ، هو أن ملاحظاته تأتي مباشرة فورية . فقد شاهد فرنسا بعيون الرجل الذي يفضل التوصل إلى معرفة الأشياء عبر التجربة المباشرة والمعيشة ، بدلا من المعرفة المكتسبة من الكتب . ومن ثم جاءت رحلته مليئة وغنية بالانطباعات الحية التي خالجته في حينها وعبر عنها بكامل الصدق والوفاء . إن مفهوم الملاحظة الشخصية أو المشاهدة ، يعني محاولة التعلم واكتساب المعرفة دونما حاجة إلى عنصر وسيط . إذ كان الرحالة الكلاسيكيون يعتبرون ذلك النهج طريقة مثلي وذات فعالية كبيرة لكسب المعرفة « 1 » . وكانت إشارة الصفار إلى هذا المبدأ بصريح العبارة ، بل وذهب إلى حد تدعيمه بأمثلة ملموسة . ويقول في هذا الصدد : « وما حصلت جم الفوائد إلا من مخالطات البشر » « 2 » . وأتحفنا الصفار من خلال وصف مشاهداته بتفاصيل دقيقة ، وكأنه يريد إقناعنا بحضوره الفعلي وبمعاينته الحقيقية وقتئذ لتلك الأشياء الموصوفة . وعلى الرغم من عدم الاستيعاب الكلي لوظيفة الأشياء التي كلف نفسه عناء وصفها ، فإنه لا يتوانى عن التفصيل في الحديث واصفا جزئياتها الكبيرة والصغيرة ، لأن التدقيق في التفاصيل شيء ذو قيمة
--> ( 1 ) « ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم ، فالملكة الحاصلة عن الخبر على قدر جودة التعليم وملكة المتعلم [ . . . ] وحصوله ملكته » . المقدمة ، انظر ، ص . 399 - 400 ، من الطبعة العربية . وعن المزيد من الإشارات المتعلقة بمدى أهمية الحقيقة المعيشة لدى رحالة العصر الوسيط ، انظر الآتي : Eickelman , " Art of Memory " , p . 501 note 20 ; A . Miquel , Ge ? ographie humaine 1 : 135 . ( 2 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب .