محمد بن عبد الله الصفار
86
رحلة الصفار إلى فرنسا
من أولئك الذين تربطهم به بعض العلاقات الزبونية ، وجميع هؤلاء ينتمون إلى طبقته الاجتماعية . وحتى لا يلحق الصفار بنفسه ولا بولي نعمته عبد القادر أشعاش أي خزي أو أذى ، كان عليه بذل قصارى جهده لتحقيق أفضل النتائج الممكنة . فكان لا بد له من أن يظهر عبر أسلوب كتابته وروايته لمختلف فصول الرحلة ، كل الخصال الحميدة التي كان يتصف بها كخاصية الوقار والاطلاع الواسع ، والحرص على سلامة الأفكار من العيوب الإيديولوجية ، حتى يضمن لها أوفر حظوظ القبول لدى العناصر المكونة للوسط المخزني في مستوياته المركزية . علاوة على ذلك ، كان عليه أن يحرر تقريره عن الرحلة بأسلوب أدبي رفيع يعكس مدى تمكنه من ناصية اللغة العربية وأسرارها . فما هي عناصر الأسلوب التي منحته المزايا الرفيعة المطلوبة ؟ أولا وقبل كل شيء ، هناك القرار الذي اتخذه الصفار لصياغة تقريره في قالب الرحلة ، وهي من الأجناس الأدبية ذات الأصول العريقة في التقاليد الكلاسيكية . وإذا كانت الكتابات المتعلقة بالرحلات معروفة منذ أزمنة بعيدة وفي أماكن عديدة ، فإن ذلك الجنس الأدبي قد عرف نموه بصورة زاهية في كل من الأندلس وبلدان المغارب . وبفعل الإيمان العميق لسكان المغرب ، وبعدهم الجغرافي عن منابع الإسلام الأولى في شبه الجزيرة العربية ، كانوا حريصين أشد الحرص على أداء فريضة الحج . وكانت الروايات الخاصة بالرحلات الحجازية ، التي يشارك فيها الحاج مغامرته مع الآخرين ، نموذجا مثاليا للقصة ذات الطابع القدسي . ويتم المرور فيها بالمراحل التالية التي تعتبر أبرز المحطات المكونة للبنية السردية للحكاية : بداية من التوسل والتضرع إلى الله ، إلى مراحل الرحلة ، ثم المخاطر التي صودفت أثناء الرحلة ، وأخيرا بلوغ الهدف المنشود الذي كان يبدو بعيد المنال في البداية . وكان الوصول إلى الديار المقدسة من أكثر الأمور إثارة للمشاعر ، إذ تنضوي تحته كل وقائع الرحلة . ويعطي بلوغ ذلك الهدف شكلا ومغزى حقيقيا للرحلة ، فيجعلها تكتسي دلالات فعلية بشكل لا يمكن أن يتأتى تحقيقه في حالة الاقتصار على رواية ذات طابع كرونولوجي بسيط . وعلى مستوى الزمن ، فإن أدب الرحلة قد يمتد ليشمل روايات تتعلق برحلات مخصصة لأغراض أخرى ، كالتوجه بعيدا طلبا للعلم ، أو الذهاب في بعثة سفارية في إطار مهمة دبلوماسية . غير أن أفضل نموذج للرحلة وروايتها على الإطلاق هو الكتابات المتعلقة بالرحلات الحجازية نحو الديار المقدسة .