محمد بن عبد الله الصفار

28

رحلة الصفار إلى فرنسا

عليه وسلم ، وأحد أعلام سلاطين الأسرة العلوية التي حكمت المغرب خلال فترة تجاوزت قرنين من الزمن - متعطشا هذا التعطش لقراءة ما دونه محمد الصفار في رحلته من أخبار ؟ قد يكون من بين تلك الأسباب ، أن السلطان كان يتوقع العثور في الصفحات التي ملأ الصفار سطورها بشكل مكثف على أجوبة قد تشفي غليله حول بعض التساؤلات المحيرة التي كانت تشغل باله بصفة لا تخلو من الإزعاج : أين يكمن سر قوة الفرنسيين ؟ كيف تمكنوا من الوصول إلى ذلك المستوى من القوة ؟ كيف استطاعوا قهر الطبيعة وإحكام قبضتهم على مسارها بطرق وأساليب ما زالت خافية عنا ؟ كيف يعيش الفرنسيون حياتهم اليومية ، وكيف يربون أبناءهم وخدامهم ؟ ما هي أحوالهم التعليمية ، وكيف يسلون أنفسهم ويروحون عنها ، وماذا يأكلون ؟ وباختصار ، ما هو وضع حضارتهم ، وما هي أوجه اختلافها عن حضارتنا ؟ تكمن أهمية رحلة الصفار في قدرة كاتبها على تقديم أجوبة عن مثل هذه الأسئلة ، وعلى تسجيل تجربته في صور دقيقة الرسم وذات عمق إنساني . وكانت له القدرة على فتح نافذة على عالم بعيد عن عالمه هو ، ونقل مشاهدته إلى غيره . ومن خلال وصفه الدقيق لما هو جديد ، ويكاد يكون كل شيء جديدا ، نحس بنسيج اللقاء الثقافي : وبقراءتنا لما دونه عن رحلته ، نجد أنفسنا أمام فرصة نادرة تتاح لنا لتقمص شخصية أحد رجال الفكر المغاربة في لحظة حرجة تمتحن معتقداته ومشاعره وتوجهاته . إن « موعد » الصفار مع الجديد ، على حد تعبير بارت ( Barthes ) ، يحدث مواجهة أكبر حجما مجد خلالها تجربته مرات عديدة . وتمثلت خلفيات رحلته في أحداث ووقائع أدت ، بشكل عميق ، إلى قلب التصور الذي كان لدى النخبة الحاكمة في المغرب عن قوتها إزاء الغرب رأسا على عقب . وفي الواقع ، كانت الرحلة في حد ذاتها جزءا من ذلك المجهود الذي استهدف القيام بمحاولة لتصحيح الخلل والتبصر بمعرفة الأسباب الكامنة وراء الإخفاقات والفشل . وقد تميز العصر الذي عاش فيه كاتب الرحلة بالقلق الذي انتاب المغاربة من قدرتهم على مواجهة الغرب المتحكم في جميع مقومات التفوق العسكري . كما تميز أيضا بوجود تخوفات كبيرة من وقع القضايا الخارجية وخطورة تأثيرها على الأحوال الداخلية لنظام اتسم بهشاشته . وكانت هذه القضايا العريضة مطروحة مسبقا قبل الرحلة ، وقد تم صبها في قالب اكتسى دلالات تاريخية ذات أهمية بالغة . وحتى تفهم الرحلة ، يجب علينا أن نضعها في إطارها التاريخي والزمني .