محمد بن عبد الله الصفار
243
رحلة الصفار إلى فرنسا
كل شكل على حدته في لوحة ذات بيوت كثيرة ، كل بيت يملأ بحرف خاص . ثم بعدهم بيت آخر فيه النساخون « 1 » . وعملهم أن يوتون بالكتاب الذي يريدون طبع مثله بورقة منه مثلا وينزلها النساخ أمامه ، ويأخذ في يده اللوحة ويرتب فيما الحروف مثل ما هي في الورقة . فينزل أولا السطر كله في حديدة حتى يكمل ، ثم يضعه في اللوحة ، ثم يعدل سطرا آخر وينزله ، وهكذا حتى يعمر لوحته على قدر ما فيها من الأسطر . وحروفها مثل الحروف التي في الورقة ومرتبة ترتيبها ، فيفعل هذا صانعه المذكور وإن كان لا يعرف الكتابة والقراءة ، يكفيه أن يعرف مقابلة الحروف بمثلها . فاختبرنا واحدا منهم ، وكتبنا له بيدنا سطرا ، فأنزله كما هو بحروفه وترتيبها . ثم قلنا له افسخه ففسخه ، وكانت أربعة وثلاثين حرفا ، فرد كل حرف في بيته الذي ينزل فيه بسرعة ، أخذها بيده جملة ثم جعل يفرقها في بيوتها كأنما يدرّ درورا على شيء ، فلم يخط في حرف واحد منها بإنزاله في غير محله مع غاية السرعة ، فتعجبنا منه غاية العجب . فإذا رتبت الحروف في اللوحة ، دخلت ليد عملة آخرين . فدخلنا بعد هذا بيتا فيه صهاريج من ماء ، ورزم الكاغيد منزلة على حواشي الصهاريج . وذلك أنهم يغمسون الكاغيد أولا في الماء ، فيدخلون أربع أو خمس ورقات جملة في الماء . ثم يخرجونها ويضعونها على حاشية الصهريج حتى يسيل عنها الماء ويذهب عنها بعض البلل . ثم بعدها بيت آخر فيه آلات ودوالب ، وهي على نار لا ترى ينشف فيه الكاغيد من البلل المذكور . على كل دولب ثلاث خدامات ، واحدة تدخل أوراق الكاغد في الدولب ، وأخرى تأخد الأوراق الخارجة من الدولب فتدخل الورقة مبلولة ، فتدور في الدولب فتخرج يابسة بحرارة نار هناك باطنية . ثم تدخل هذه الأوراق ولوحة الحروف لبيت الطبع ، وهو على نوعين : أحدها باليد والآخر بالدولب . فأما الأول فيحتاج إلى ثلاثة أناس ، فيأخذ أحدهم لوحة الحروف وينزلها في محلها التي تنزل فيه على شيء مرتفع أمامه . وإذا نزلت المرة الأولى فلا تعود ترتفع من محلها حتى يفرغ من الطبع بها . وءاخر بيده جلدة مطوية على عود يطليها أولا بالمداد ، ثم يمرها على الحروف التي في اللوحة ليسودها بالمداد . ومدادهم ليس سائلا كمدادنا ، بل يعطي الصبغ من غير سيلان . ثم يأخذ الأول الورقة التي يريد طبعها بيضاء ، ويجعلها على لوحة أخرى ،
--> ( 1 ) كما يبدو من السياق ، فإن الصفار يعني بذلك مصففي الحروف .