محمد بن عبد الله الصفار

244

رحلة الصفار إلى فرنسا

ويفصل بينها وبين اللوحة بما يمنع وصول الوسخ لها . ثم ينزلها على لوحة الحروف ، ويطبق عليها من فوق بئالة رزينة من الحديد بحركة يديرها ، ثم يفتح عنها فتخرج الورقة مطبوعة . فيأخذها شخص آخر هو ثالث العملة ، ويطبعون على تلك اللوحة ما شاءوا من الأوراق ، ماية وألفا أو عشرة آلاف كلها متماثلة . وكذلك يفعلون في ورقة أخرى وأخرى ، حتى يأتوا على آخر أوراق الكتاب . فيوم يتم الكتاب ، يخرج معه ألف كتاب مثلا . وإذا توفرت الشروط فلا تبقى كلفة في الطبع ، ففي الساعة الواحدة يطبع المئين من الورقات . والنوع الآخر من نوعي الطبع يكون بالدولب ، تارة يدوره شخص وتارة يدور وحده بحركة البابور أو بالماء الجاري كالرحى . فيجلس واحد ويأخذ الورقة ، فيطعمها الدولب فيبتلعها الدولب ، وتدور فيه حتى تمر على لوحة الحروف ، فتنفصل عنه مكتوبة ، فيأخذها شخص آخر ، وفيه تلك الجلدة تأخذ المداد من محل هنالك ، وتنزل على الحروف فتسود . كل ذلك بالحركات لا باليد ، ففي دورة تنزل الورقة على الحروف فتنطبع ، وفي دورة أخرى تنزل عليها جلدة المداد فتسودها والحركة متصلة . وهذه اللوحة التي فيها الحروف ، إذا فرغ من الطبع بها فسخت منها تلك الحروف ووضع فيها حروف أخر ترتيب ورقة أخرى . وقد يتركونها بحروفها ويرتبون غيرها في لوحة أخرى ، فيتركون الكتاب كله مرتبا في ألواحه ، فإذا أرادوا طبعه مرة فلا يتكلفون لترتيب حروفه مرة أخرى . رأينا عندهم بيوتا فيما ألواح كتب معينة مرتبا فيها حروفها . وبعد فراغ الكتاب من الطبع ، إن أرادوا تسفيره فهناك صنعته أيضا . فيدخل لبيوت أخر ، أحدهما تقصص فيما حواشيه بحركة البابور تحرك السكين حتى تمرها على حواشي الأوراق فتقصصها . وبيت آخر تزير فيه بئالة ، بأن تجمع رزم من الكاغيد وتجعل بين لوحين ، أحدهما من فوق والآخر من أسفل بين أعمدة من الحديد وتحرك بالماء حتى تنحصر لأعلا فذلك زيّارها . وبيت آخر فيه عمل التسفير ، فتدخل لهذه الدار الأوراق بيضاء ويخرج منها الكتاب مسفّرا . وأعجب ما رأينا عندهم من آلة الكتابة ، نوع خاص يطبع لك الكتاب بأي خط شئت ، عربيا أو عجميا ، مغربيا أو مشرقيا ، أو كيف ما شئت . وذلك أنهم يأتون بالورقة مكتوبة بمداد خاص يصنعونه مستحمر اللون كمداد الجوز ، فيضعونها على حجرة عندهم ، ويشدون عليها ثم يحلون عنها فتنطبع الكتابة في الحجرة كما هي في