محمد بن عبد الله الصفار
239
رحلة الصفار إلى فرنسا
الذبابة فظهرت كالغربال الكبير وكلها ثقب كثقب الغربال . ووضعوا عليه لسان ضفدع صغيرة فانطبع في الحائط أعظم ما يكون ، وظهرت عروقه كلها كبيرها وصغيرها ، ويظهر الدم يجري في تلك العروق ذاهبا وراجعا في أسرع ما يكون ، كأنما هدمت قرية نمل دقيق فتراه يجوح في بعضه بعضا . ثم وضعوا قبالها خمير دقيق طال شيئا ما حتى تغيرت رائحتها ، فظهر فيها دود أمثال كبار الحنوش تكعكع وتلتوي على بعضها بعضا ، وفي خارج ذلك لا يظهر فيها شيء . ويضعون هناك قطعة لحم من لحوم الحيوانات ، ويرون ما حدث فيها من التغيرات . ثم فرغوا من هذا وأتوا بزجاجة نافذة من جهتين ، في أسفلها عمود من حديد ، وينزل عليه من فوق عمود آخر ويلتقيان برأسيهما ، وفي طرف كل عمود منهما شريطة من نحاس ، وتتصل الشريطة بعمل وأوان وحركات . فإذا التقى العمودان برأسيهما ، حدث من بينهما نور عظيم أضاء له ذلك البيت مع شدة إظلامه ضوءا عظيما . وقالوا لو أرادوا أن يجعلوا هذا فوق محل عال من باريز ترى منه باريز كلها لأضاءت بذلك كلها ضوءا يغني عن الفنارات . ثم وضعوا بين رأسي العمودين قطعة فضة فذابت بسرعة ، ووضعوا فيه معدنا آخر زعموا أن النار لا تعمل فيه شيئا فذاب بسرعة . وإذا والت إحدى الشريطتين الأخرى ، خرجت من بينهما نار مثل البرق . وإذا أمسكها أحد بيده وبلّه بالريق ، ارتعدت عروقه من داخل حتى لا يصبر ويرسله بسرعة . وإذا أفسخوا تلك الشريطة من العمل الذي هي متصلة به ، لم يبق فيها شيء من ذلك . وهذا العمل أواني صغار من الحديد متصلة ببعضها بعضا بقطعة نحاس صغيرة ، جملة منها في ناحية وجملة في ناحية قبالتها ، وإحدى الجملتين منفصلة عن الأخرى ، ويربط من كل عمل شريطة من الشريطتين المذكورتين ، فيخرج منهما ما ذكر . وانظر ما في تلك الأواني من الحكمة . ومن أعجب ما رأيناه في هذا المحل وأغربه ، حركة يصل بها الخبر من محل إلى محل في لحظة ، وإن كان بعيدا مع استيفائه واستيعابه لأنها بالكتابة « 1 » . وبيان ذلك
--> ( 1 ) كان التلغراف الكهربائي لا زال يخطو خطواته الأولى أنذاك . وفي سنة 1844 صوت البرلمان على ميزانية لإنشاء أول خط تلغرافي بين باريز وروان ( Rouen ) ، غير أن استعماله لم يصبح رهن إشارة عموم الفرنسيين إلا مع حلول سنة 1851 . La Grande Encyclope ? die Larousse , ed 1886 . , s . v . " Te ? le ? graphe " ; Pinkney , Decisive Years , p . 58 - 59 .