محمد بن عبد الله الصفار
240
رحلة الصفار إلى فرنسا
أنهم جعلوا دائرة من صفر مصمتة كوجه المكانة ، وبسطوها ورشموا في دائرتها الحروف كلها وحركاتها من فتحة وضمة وكسرة لأنها عندهم حروف أيضا . وهذه الدائرة مسمرة في كرسي منزلة عليه مبسوطة ، وفي جانب كرسيها الذي هي منزلة عليه ثقب بعدد الحروف ، تحت كل حرف ثقب . ثم عملوا قبالتها دائرة أخرى فيها الحروف كلها أيضا ، إلا أنها قائمة لا مبسوطة ، وفي وسطها موري « 1 » يصل رأسه للحروف . ووصلوا بين الدائرتين بخيطين ، أحدها من جانب والآخر من الجانب الآخر ، وكأن الخيطين من سلك فيهما تجعيد . فإذا أراد المتكلم أن يتكلم مع صاحبه بكلمة ، عمد إلى أول حرف منها في الدائرة المبسوطة ، فغرز إبرة في الثقب الذي تحت ذلك الحرف ، ويدورها حتى يحصرها خازوق « 2 » هنالك . وفي حال حركة هذا الحرف ، يتحرك الموري الذي في الدائرة الأخرى ، فيجعل يدور حتى يصل لذالك الحرف فيقف عنده ، ثم يشير لحركته فيشير لها الموري أيضا ، وهكذا فكلما أشار الأول لحرف ودور الدائرة الأخرى لذالك الحرف حتى يقف عنده . وهكذا حتى يستوعب ما شاء من الكلام مع صاحبه ، مع فهم كامل وتبليغ تام في أبلغ سرعة . زعموا أنه لو اتصلت هذه الحركة بين هاتين الدائرتين ، لوصل الكلام من الأولى للثانية إذا كان بينهما ماية ألف وخمسة عشر ألف ساعة في ثانية من الثواني التي هي سدس عشر الدقيقة . وهذا أمر يكاد يحيله العقل ، لاكن من شاهد ذلك لا ينكره . اختبرناه بكم من كلمة ، فإذا أشير إلى الحرف في الدائرة الأولى ، لم ندرك أن ننقل بصرنا منها إلى الدائرة الثانية ، حتى يكون الموري قد وقف عند الحرف المشار إليه . وزعموا أنهم وصلوا هذه الحركة من باريز إلى أورليا « 3 » وبينهما تسعون ميلا . وأنها عندهم أيضا موصلة من
--> ( 1 ) لا يعرف أصل هذه الكلمة ، غير أن معناها واضح من خلال السياق ، والمقصود بها هنا هو المؤشر الشبيه بعقرب الساعة ( المعرب ) . ( 2 ) جاء تعريفه عند البستاني كالتالي : « عبارة عن وتد طويل حاد الرأس كان يستعمل من جملة العقوبات لمن يستحق القتل [ . . . ] وذلك بأن يدخل في إست المحكوم عليه فيخرق أحشاءه ويصعد في جوفه » ، أورده الصبيحي ، معجم ، ص . 115 . أما معناها هنا فواضح من خلال السياق ، فهو بمثابة قضيب حديدي يلعب هنا دور الحاجز ( المعرب ) . ( 3 ) أي أورليان ، وبالفرنسية هكذا ( Orle ? ans ) .