محمد بن عبد الله الصفار
237
رحلة الصفار إلى فرنسا
الحجر والحديد . ثم انصرفنا عن هذا ووقفنا في موضع آخر ، فرأينا فيه لوحة مجوفة وفي داخلها حركة . ويمتد من جانبيها خيطان فيهما ليّ وتجعيد كأنهما من سلك الحديد ، لفّ عليهما خيوط أخر من الحرير أو نحوه ، وفي طرف هذين الخيطين قنوطتين صغيرتين من نحاس ، فإذا حركت الحركة التي في باطن اللوحة حدث في الخيطين ارتعاد واضطراب ، فإذا أمسك شخص القنوطتين اللتين في طرف الخيطين مع تلك الحركة ، ارتعدت عروق يده من داخل ارتعادا لا يقدر أن يصبر معه ، فيرسلهما من يده في حينه . وزعموا أن تلك الحركة تمتد ما امتد الخيطان ولو إلى أقصى البلاد ، فمن أمسكهما وحركت الحركة ارتعدت عروق يده ولو كان بينه وبينها مسافة بعيدة . وفائدة ذلك الإعلام بالخبر كما سيأتي قريبا . ثم عمد شخص منهم إلى لوحة في وسطها جعبة صغيرة نافذة ، ولها طراشة « 1 » تغلق بها وتفتح ، فجاء بزجاجة على شكل قادوس صغير إلا أنها غير نافذة ، فقلبها على اللوحة وصارت تلك الجعيبة في وسطها ، وأحكم إنزال الزجاجة على اللوحة بحيث لم يبق من بين حواشيها وبين اللوحة متنفس ، ثم فتح تلك الجعيبة وأطلع فيها النفس بئالة حتى ريء بخاره خارجا من فم الجعبة يدور داخل الزجاجة وينزل إلى تحت . ثم أغلق الجعبة واستحكم ذلك النفس داخل الزجاجة ، فلزقت الزجاجة مكانها حتى لا يقدر أحد أن يرفعها ، ولو استعان بغيره من ثقل الهواء الذي هو داخلها ، حتى يتنفس ذلك الهواء وحينئذ ترتفع . وذلك عندهم مثال لكون الهواء إذ لم يجد منفذا ، فإنه يثقل على ما نزل عليه ثقلا لا يقدر معه على النهوض والتحرك . ثم انصرفنا من هذا الموضع فوقفنا في موضع آخر ، فأتى شخص بلوحة من نحاس صغيرة ، وشدها بلولب يدخل في وسطها وتنزل عليه مرتفعة عن الأرض حتى لا يبقى لها الطنين ، ثم درّ عليها رملا أسود رقيقا وعمد إلى قوس كقوس الكمنجة وأصلحه وجعل يجر على حرف تلك اللوحة فيسمع لذالك صوت حاد . وجعل ذلك الرمل يضطرب وتحدث له أشكال ودوائر كأنما صنعت باليد ، ولا يصنعها
--> ( 1 ) سبق شرح معناها في الهامش رقم 54 في الصفحات السابقة من هذا الكتاب .