محمد بن عبد الله الصفار
219
رحلة الصفار إلى فرنسا
ثوبها من أجل ما نسج فوق الثوب من طرازات الذهب مسلكة بالأحجار والجواهر ، وأقفالها كلها جوهر وعليهم حزم مثقلة بالذهب يجرون أسيابا لا توصف حليتها ، فكانوا أحسن زيا وأجمل منظرا من النصارى بكثير . هناك أيضا باشدور من عند السلطان العثماني « 1 » . فلما اجتمعنا في صالة من صيلانهم خرج علينا سلطانهم ، فوقف أولا مع الباشدور المبعوث من عند كبير رومة التي هي أصل دياناتهم وبها باباههم الكبير « 2 » الذي ينقادون له في أمور دينهم ، ويزعمون أنه خليفة عيسى عليه السلام . فتكلم أولا باشدور رومة المذكور بكلام في ورقة كما هي عادتهم حسبما تقدم ، معناه بالعربية : هذا عام مبارك جئنا نفرح بسلامتك وسلامة أناسك ، وحمدنا الله الذي جعلك في هذا المحل وقواك على حمل ثقل ما أوليته من المرتبة العالية . فمن يوم وليت في كرسي فرانسا وأنت ساع في الخير . ردعت خيل الشر ورددتها بلجامها ، إذ كان بعضها يريد أن يغير على بعض ، وأنت برشادك وعقلك رددتهم إخوة ومشيتهم على الطريق المستقيم . ولم يتول سلطان إلا بإذن الله ، ونحن ننظر في خدمتك أنها بهداية الله وقدرته التي تحفظنا . فنطلب الله أن يديمك في هذا المقام ، وأن يبقيك دائما دمان لهذا الشقف « 3 » تسيره بحسن سياستك . والله يبارك لك فيمن ازداد عند أولادك في هذا العام من الحفائد ، بقدر ما تتفرع جدراتك يتفرع الخير ، والله يحفظنا ويحفظك . فأجابه السلطان بقوله : الله يجعل فيكم البركة ويجازيكم خيرا على هذا الدعاء الذي تدعون لي به وتحبون لي الخير ، وهذا هو الظن بكم وبالأجناس الذين أنتم مراسيل من عندهم . وشكركم الذي تشكروني إنما هو لله ، لأنه هو الذي جعلني في هذا المحل وألهمني لهذه الخدمة ، وهداني لهذه السيرة وأقدرني على ما أفعله فيها . ونحن معشر السلاطين علينا كلفة يسألنا الله عنها ، ونحن رعيان ولا بد نحفظ الغنم التي نرعاها . فما دمت في طريق الخير ، فادعوا لي بدوام المملكة ، وسعيي كله إنما هو في الحرص على الأخوة بين عباد الله . وما عندي جنس أفضل من آخر ، بل نريد أن تكون المحبة الخالصة بيننا وبينهم جميعا على السواء ، والله يسلمكم على مباركتكم
--> ( 1 ) أورد الصفار هذا الخبر في هامش الصفحة 93 من مخطوط الرحلة . ( 2 ) ويعني بها البابا ، ( Le Pape ) . ( 3 ) دمان ، ومعناه مقود ، 462 : 1 Dozy . ويقصد الصفار بعبارة دمان الشقف ، قائد السفينة أو المركب .