محمد بن عبد الله الصفار

197

رحلة الصفار إلى فرنسا

معرفة الأشياء بالتقليد ، بل يبحثون عن أصل الشيء ويستدلون عليه ويقبلون فيه ويردون . ومن اعتنائهم بذلك ، أنهم كلهم يعرفون القراءة والكتابة ، ويدونون في الكتب كل شيء . حتى الصنائع فلا بد أن يكون الصانع يعرف الكتابة والقراءة ليتقن صنعته ، ويجب أن يبتدع في صنعته شيئا لم يسبق به . ولأنه إن فعل زادت مرتبته وعلت حظوته عند دولتهم ، ويعطونه على ذلك ويمدحونه ويذكرونه بما استنبط ، ترغيبا منهم في الترقي في الأمور . فيكون كل شيء دائما في الزيادة ، فذلك يحملهم على تدقيق النظر وإمعان التأمل ، واستكشاف دقائق الخفيات في سائر تصرفاتهم . ولهم مدارس ومكاتب ، حتى في علوم الطبخ والغرس والبناء والزراعة ومعالجة النباتات وإنتاج الحيوانات وغير ذلك . فكل ما يسمعونه أو يرونه أو يستنبطونه أو يبلغ إليهم علمه ، يدونونه في الدواوين ويحفظونه على مر الأيام . ومن طبعهم الخفة والطيش ، فتجدهم إذا اجتمعوا في موضع لا يقر لهم قرار ، ولا تراهم إلا بعضهم يموج في بعض . ولا يجلسون إلا في حالة الأكل ، وبعد الفراغ منه يقومون . والجلوس عندهم عيب ولا يجلس إلا النساء ، ولو أدى إلى وقوفه طول اليل إن كان اجتماعهم لفرجة أو رقص . وإذا أراد أحدهم الجلوس والاستراحة ، فيذهب لبيت آخر خاليا من الناس ، إلا إن قصد مثل قصده . وما رأينا رجالهم يجلسون في ليالي الفرجة إلا في التياتروا حين اللعب ، فإذا قضيت اللعبة قاموا . وتجدهم في أزقتهم وطرقهم ومحال تماشيهم إذا لم يكن لم شغل ، كل واحد يأخذ بيد صاحبه أو صاحبته ويجعلون يتماشون ذاهبين راجعين جادين في المشي كأنهم يريدون حاجة ، وما مقصودهم إلا الحديث والاستراحة . وربما فعل ذلك الواحد وحده ، ويقولون إن في ذلك عونا لهم على التفكر واستخراج خبايا العقل واستنباط الأمور والتدبيرات ، وقد جرب ذلك فصحّ . ومن طبعهم أنهم يحبون من كان خفيف الحركة طلق الوجه مبدي البشاشة ، كثير الكلام بالمباسطة أو السؤال عما يبغى السؤال عنه ، أو البحث في العلوم أو نحو ذلك من الأخبار بالمغربات ، والتحدث عن أحوال البلدان وعوائد أهلها . ويميلون كل الميل إلى من هذه صفته وتحصل لهم به ألفة ، وإن لم تسبق بينهم وبينه معرفة ، وإن كان كلامهم معه بواسطة ترجمان مثلا ، ويستثقلون من يكون بضد ذلك ، وتنفر منه طباعهم ويبعدون منه . ومن طبعهم الحدة والشرارة والأنفة ، فتراهم يتداعون للبراز على أدنى كلمة