محمد بن عبد الله الصفار

198

رحلة الصفار إلى فرنسا

يلقيها أحدهم للآخر من سب أو قذف مثلا . ولا يسع المدعو له إلا أن يجيب ، وإلا بقي يعاير بالجبن والذلة طول عمره . ويتشارطون في البراز كيف يكون ، وبأي سلاح يقاتلون وكيفية المحاربة ومحلها ، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بذلك ، ولا يتعرض لهم في ذلك حاكم ولا غيره . ولهم حظ وافر في الأدب الدنيوي والظرافة والرقة والحضارة ، ويراعون الأدب في مخاطبتهم وكلامهم ، فلا تكاد تسمع منّهم السّاقط في الكلام ، ولا يتعرضون للغريب من دينهم أو من المسلمين بسوء . ولا ينادي عليه صبيانهم ولا يوذونهم كما يسمع على غيرهم من بعض أجناس النصارى ، وذلك من جملة ما يتعلمونه ويقرءونه ويدونونه في الكتب ، لتكون لهم بذلك المزية على غيرهم . وقد اختصوا من بين أجناس سائر النصارى بالأدب والحضارة والمروءة الدنيوية ، حتى أن كبراء الأجناس يرسلون أولادهم لباريز لتعلم آداب الفرنسيس وتربيتهم ، واختصت باريز بذلك لأنها دار ملكهم وأحضر بلادهم . ومن أوصافهم أنهم أصحاب جد في بيعهم وشرائهم وسائر معاملاتهم وتصرفاتهم ، فلا تجد فيهم غشا كما هو في اليهود ، ولا ترى فيهم خروجا عن الطريق ، وليسوا فجارا إلا في دينهم . ولهم اعتناء تام بالنظافة الظاهرة في بيوتهم وأزقتهم وحوانيتهم وأبدانهم وملابسهم ، فلا ترى على أحد منهم ثوبا وسخا ولا ملطخا بقذر ، ولا يكون في الغالب إلا جديدا . وفي حاراتهم وأسواقهم أقوام جالسون على كراسيهم ، وبيدهم أمشاط من الشعر يمشطون بها الملف والنعال . فمن رءا في ثوبه تغييرا أو في نعله غبار ونحوه ، وقف عند واحد منهم فيمشط له ثوبه ويمسح نعله حتى يرجع له لمعان كأنه جديد ، ويعطيه أجرته على ذلك . ولا يغفلون يوما واحدا على نفض فرشهم التي ينامون عليها ، وبعد يومين أو ثلاثة يبدلون بطانتها وظهارتها بأخرى نظيفة . وكذلك الفوط التي تجعل على حجر الآكلين ، لا تكون دائما إلا نظيفة . وإذا أصابها شيء من الإدام أو الطعام أو مسح بها اليد ، لا يأتيك بها مرة أخرى حتى تغسل وتنظف . ولا ترى في طرقهم من الكناسة والزبل أصلا ، وكل يوم تكنس وترش بالماء إن لم يكن المطر . إلا أن أعيب ما يعاب فيها أنهم يبولون في أصول الحيطان ، والماء المضاف بالبول يجري على وجه الأرض ، لاكن يشفع في ذلك سعة الطريق حتى يبقى ذلك في ناحية لا يضر بالماشين . ولا ترى أبواب حوانيتهم ودورهم وشبابيك طيقانهم وفناراتهم التي توقد في الأسواق والحوانيت إلا ممسوحة نظيفة تشرق وتلمع كأنها اليوم وضعت .