محمد بن عبد الله الصفار

193

رحلة الصفار إلى فرنسا

ولأهل باريز حرص تام على التكسب رجالهم ونسائهم لا يتقاعدون ولا يكاسلون ، والنساء مثل الرجال في ذلك أو أكثر « 1 » . ولا تجد أحدا منهم خاليا عن شغل ، وإن كان عندهم من أنواع البطالات والفرجات العجب العجاب . لاكن ذلك لا يلهيهم عن أشغالهم ، فيعطون لكل وقت ما يستحقه . وتلك الفرجات تعينهم على أشغالهم لما فيه من استراحة النفس ليعودوا لها بنشاط . ولا يرضى أحد منهم أن يكون فقيرا ، فإن الموت عندهم أهون من الفقر ، وصاحبه حقير دليل كما قيل : ذريني للغنى أسعى فإني * رأيت الناس شرهم الفقير وأحقرهم وأهونهم عليه * وإن كانا له نسب وخير يباعده القريب وتزدريه * حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنا وله جلال * يكاد فؤاد صاحبه يطير « 2 » وقد قيل : الفقر رأس كل بلاء وداعية إلى مقت الناس ، وهو مع ذلك مسلبة للمروءة مذهبة للحياء ، ومتى نزل بالرجل الفقر لم يجد بدا من ترك الحياء . وقد قيل : من حفظ دينه حفظ الأكرمين ، عرضه ودينه . وقال الشاعر : لا تلمني إذا اقتنيت الأواقي * فالأواقي لماء وجهي أواقي وقال لقمان « 3 » لابنه : « يا بني أكلت الحنظل ودقت الصبر ، فلم أر شيئا أمر من

--> ( 1 ) انظر الفصل الحادي عشر الذي خصصه الطهطاوي من رحلته لهذا الجانب تحت عنوان « في كسب مدينة باريس ومهارتها » ، تخليص ، ص . 149 - 153 ؛ 175 - 173 . L'or , pp ( 2 ) قارن بين هذه الأبيات وما نظمه شاعر تازة ابن شجاع ، وقد أوردها ابن خلدون في المقدمة ، انظر : Muqaddimah 3 : 469 . ( 3 ) من الأسماء المعروفة قبل الإسلام ، وقد اشتهر لقمان بحكمه البليغة المنتشرة في الأوساط العربية والإسلامية ، SEI , s . v . " Lukman "