محمد بن عبد الله الصفار

176

رحلة الصفار إلى فرنسا

قضيب من الحديد قائما من الأرض له رأسان يمنع مريد البول من تلوث ثيابه بالبول الذي في داخلها . ويبولون أيضا في أصول الحيطان في الزقاق ، وليس ذلك عندهم عيبا ، ولكن لا يغفلون عن نظافة طرقهم بالكنس والرش بالماء . وبهذه المدينة محال يتماشى الناس فيها هي متنزهاتهم . ونزهتهم إنما هي أن يأخذ الرجل بيد صاحبه أو صاحبته ، ويقصدون موضعا من المواضع المشهورة عندهم يتماشون فيها وهم يتحدثون وينظرون ، وليست نزهتهم بالأكل والشرب بل ولا بالجلوس . فمن منتزهاتهم موضع يسمى الشمزليزي « 1 » ، وهو موضع قرب النهر المذكور لجهة سراية السلطان وبه كان منزلنا ، فيه أشجار مصطفة متوازية بين صفي الشجر كشكل الزقاق المستقيم . فإذا أورقت تلك الشجر وتعانقت أغصانها وغرد الأطيار فوقها ، كان فيها منظر عجيب . وفيه كثير من القهاوي وديار الفرجات كالتياترو « 2 » أو نحوه . وبه فوّارات ماء كبيرة جدا فيها تماثيل من أشخاص آدميين وغيرهم ، كلها ترسل من أفواهها الماء بقوة واندفاع « 3 » يزعمون أنهم إلاهات الماء ، وبأيديهم سمك يبزق الماء أيضا . وكل ذلك بالحركات ، وماؤها يصعد عمودا واحدا إلى أعلاه ، ولا يرسلونه في زمن البرد لأنه يجمد . وبقرب هذا المحل رياض السلطان المتصل بسراية سكانه ، وهو أيضا من المنتزهات عندهم « 4 » ، وإن كانت له أبواب وأسوار وعلى الأبواب حراس لاكن لا يمنعون أحدا من دخوله ، وإنما حجّر السلطان فيه موضعا صغيرا متصلا بجدار داره . وبهذا الرياض أشجار كثيرة عظام على شكل غرسهم ، والمقصود منها الظل . وفي خلالها جلسات

--> ( 1 ) ويقابلها بالفرنسية ( Champs - Elyse ? es ) الشانزيليزي ، أحد الشوارع الباريزية الراقية والمشهورة . ( 2 ) ويقابلها بالفرنسية ( The ? tre ) . ( 3 ) ويتعلق الأمر بنافورتين يمكن مشاهدتهما اليوم في ساحة لاكونكورد ( Place de la Concorde ) ، وكان بناؤهما بأمر من الملك لويس فيليب لمحو الدلالات الشعبية التي أصبحت لتلك الساحة بعد ما نصبت فيها مقصلة الثورة Guide Michelin : Paris , ed . , 1988 , p . 47 . ( 4 ) كانت حدائق التويلوري des Tuileries Jardin مجاورة للضفة اليمنى لنهر السين . وكان القصر الملكي المعروف بقصر التويلوري ( Palais des Tuileries ) يقع عند نقطة معينة من تلك الضفة ، بينما كانت ساحة لاكونكورد عند الجهة الأخرى للضفة نفسها . غير أن القصر قد دمر خلال أحداث كومونة باريز في ماي 1871 .