محمد بن عبد الله الصفار

177

رحلة الصفار إلى فرنسا

مخضرّة بالنباتات عليها كراسي لمن أراد أن يجلس إن تعب من المشي ، وغالب من يجلس النساء أو الشيوخ الكبار . وبه أحواض كبيرة جدا من الماء ، وبه أيضا قهاوي . ومن منتزهاتهم أيضا ، جنان السلطان الذي فيه النباتات والوحوش بحرية وبرية حية وميتة « 1 » . واستعملوا للميتة حيلا حتى صارت ترى كأنها حية ، فترى الحوت لا تشك أنه الساعة أخرج من البحر . وذلك أنهم سلخوه من جلدته وأخرجوها صحيحة وملئوها بتبن أو نحوه حتى صارت كأنها سمكة بلحمها طريا ، ويزيدونها أنواع الأطلية التي تصبر معها الجثة . ألفينا فيه من الحيوانات المحفوظة جثتها وهي ميتة ، أنواعا لا تحصى من الحيتان كبيرها وصغيرها من عظيم التمساح إلى صغير السلفاح ، منها ما هو من بحر الروم ، ومنها ما هو من بحر الهند ، ومنها ما هو من البحر الكبير ، ومنها ما هو من النيل ، إلى غير ذلك . وهناك التمساح على أنواع ، منه ما هو من النيل ومنها ما هو من بحر الهند ، وهو أعظم وأهيل منظرا من تمساح النيل . ومنه سمك عظيم يخرج من فمه منقار طويل مسنن من جهتين كأنه منشار ، ومنه سمك عظيم جدا يزعمون أنه من نوع السمك الذي التقم يونس عليه السلام . وهناك هوائش « 2 » عظيمة لم نعرف لها اسما ، وكلها

--> ( 1 ) ويتعلق الأمر بحديقة التجارب الباريزية المسماة جردان دي بلانت ( Jardin des Plantes ) ، أسست في سنة 1626 لتمكين العلماء والباحثين في مختلف التخصصات من إنجاز اختباراتهم التطبيقية على نماذج حقيقية من مختلف أصناف النباتات والحيوانات . وقد فتحت أبوابها للعموم سنة 1640 ، وكانت لعلماء الطبيعة الفرنسيين مساهمة فعالة في إثراء محتوياتها بنماذج نباتية غربية ومتنوعة جلبوها من مختلف أرجاء العالم . أما الجناح المخصص للحيوانات ، فلم تتكون نواته الأولى إلا بعد اندلاع الثورة الفرنسية ونقل كل الحيوانات الموجودة وقتئذ داخل الحدائق الملكية في قصر فرساي إليها . انظر : Guide Michelin : Paris , ed . , 1988 , p . 205 . أما عن انطباعات رفاعة الطهطاوي ، فانظر كتابه تخليص ، ص . 164 ، بالإضافة إلى : L'or , pp . 190 - 192 . ( 2 ) مفردها هيشة ، وهي من الكلمات المستعملة في العامية المغربية عند الحديث عن حيوانات غريبة عظيمة الجثة ومخيفة في آن واحد . وعند دوزي تعني الكلمة نفسها الغابة ، ومعناها لا علاقة له بسياق الكلام كما هو وارد عند الصفار الذي يقصد به الوحوش 782 : 2 Dozy ( المعرب ) .