محمد بن عبد الله الصفار

170

رحلة الصفار إلى فرنسا

وأما غيره ففي إناء داخل صندوق عليه غطاء ، وفوق ذلك الإناء إناء آخر نظيف ، في أسفله ثقب فيه غطاء يفتح ويغلق وحده بلقشة « 1 » ، فإذا وقعت الحاجة في الإناء الأعلا هبطت من ذلك الثقب إلى الإناء الأسفل بسرعة ثم انغلق الثقب ، ويضعون له شيئا قليلا من الماء في ذلك الصندوق يخرج لذالك الإناء الأعلا بحركة بزبوز لينظفه . فإذا قضى أغلق غلقا آخر على الجميع ، فلا تخرج رائحة ولا فرز حتى يمتلئ فيخرجه الخدمة وينظفونه ويردونه لمحله . رجوع ، وشاطىء هذا النهر المذكور مبني بأحجار منحوتة وصخر عظيمة ، وارتفع البناء حتى علا الطريق بنحو نصف قامة من مبدأ النهر إلى منتهاه بداخل المدينة . وعلى شاطئه شوارع واسعة ، وإلى جوانبها الحوانيت والديار طيقانها تطل على هذا الوادي . وطرق هذه المدينة كلها مفروشة بالحجارة المنجورة في الوسط وحواشيها مسطحة ، فالوسط للكراريص والأكداش والحواشي للمشاة . وطرقها واسعة جدا وكلها نافذة للهواء ، ليس فوقها روشن ولا ساباط « 2 » ، لأن ضوء البيوت إنما هو من الطيقان التي تطل على الزقاق والفضاء ، فإذا غطوها بساباط أو نحوه أظلمت البيوت . وفي هذه المدينة من الأكداش والكراريص عدد كثير جدا ، يقال إن فيها من ذلك ثلاثة عشر ألفا ، منها ثمانية آلاف للكراء وباقيها ملك لأربابها « 3 » . وأن فيها من الخيل التي تجرها نحو ثمانية وأربعين ألفا . وهذه الأكداش كلها في غاية من النظافة والصقالة والوثاقة ، يظن بها أنها كلها جدد . وكذلك خيل هذه المدينة كلها في غاية من الشبع وصفاء اللون وكبر الجثة وحسن الصورة ، ولم نر مثل أكداشها ولا مثل خيلها في سائر بلادهم . وبالجملة فهذه المدينة بالنسبة لسائر بلاد الفرنسيس التي رأيناها مدنا وغيرها

--> ( 1 ) لقشة وتنطق بالمغرب في العربية الدارجة بالنون هكذا : نقشة . وهو النابض ويقابله في الفرنسية روسور ( ressort ) . انظر : 552 : 2 Dozy ( المعرب ) . ( 2 ) استعمل الصفار هنا مصطلح « الساباط » المعروف والشائع استعماله في المدن المغربية العتيقة ، وهو طريق يربط بين أزقة المدينة ، لكن فوقه مباشرة دور أو مساكن معلقة ، فيسمى الممر المغطى بالسقف ساباط ، ووردت عند دوزي بالصاد أيضا هكذا : صباط ، ( voute ) ، بمعنى القوس . 815 : 1 Dozy ( المعرب ) . ( 3 ) يبدو أن هذا الرقم الذي أتى به الصفار ضئيل جدا ، إذ جاء في جريدة الإلوستراسيون L'Illustration بتاريخ 15 نونبر 1845 أن باريز كانت تحتوي على 520 ، 2 عربة كان استعمالها مقصورا على حمل الركاب دون البضائع وغيرها من المحمولات .