محمد بن عبد الله الصفار
142
رحلة الصفار إلى فرنسا
من الإتقان ، فيجعلونها صفوفا متساوية وخطوطا متوازية ، لا ترى واحدة خارجة ولا بارزة عن أختها في الصف . فترى زقاقا طويلا جدا بين صفي الشجر المتوازية ، ليس فيه اعوجاج ، وصف الشجرة من هاهنا وهاهنا كأنه ذات متصلة في غاية الاستقامة . ويجعلونها جداول وخطوطا وعلى أشكال شتى ، وبسبب إتقانها في الغرس والإنزال ، لا يمنع غرسها من عمارة باقي الأرض بالحرث ونحوه . وفي الغالب لا يتركون الفدان أبيض كله ، بل يغرسون أطرافه بالأشجار ، وحيث تكون في الطرف لا تمنع من عمارة الوسط . ولهم اعتناء تام واهتبال واهتمام بدوالي العنب ، حتى أن بساتين العنب عندهم ربما كانت أكثر من أرض الحرث وذلك لولوعهم بالخمر ، إذ هو من ضروريات عيشهم ، ولو أريقت خمرهم لفاضت منها البحار . وأما الحرث فعندهم منه حظ وافر يكفيهم إن كان صالحا . وفي حوز باريز محاريث جيدة ، وقمح باريز في غاية البياض والصفا . ومن قوانينهم في الزراعة أن بيلكهم يعطي عطاء معلوما عندهم لمن ظهرت على يده مزية لم يأت بها غيره من الفلاحين ، ترغيبا منهم للزارعين في أن يجتهدوا في الحرث والازدراع ، وأن يأتي كل منهم بما يفوق به غيره في الزراعة . ومن قوانينهم أيضا ، أنه إذا جاءهم في برهم ما يكفيهم من الزرع فيمنعون من دخول غيره من خارج بلادهم . حتى إن جاء من جهة أخرى ليطحن في بلادهم ويخرج ، فيكون دخوله وخروجه بالوزن ليلا يبقى منه شيء في بلادهم ، وذلك ليلا تكسد زروع رعيتهم الذين يحرثونها ، فيزهدون في الحرث فيعود عليهم الضرر . وإن كانت الغلة ناقصة ، أباحوا دخوله من الآفاق ، وتسامحوا في عشوره « 1 » ليكثر جلبه من الآفاق . وأرضهم على الجملة ليست أرض خصب وكلإ كأرض المغرب ، إنما هي أرض صلبة قرعة خشنة ، لولا دوام النبش فيها والتزبيل « 2 » والخدمة وعدم وطء المواشي والأرجل
--> ( 1 ) « العشور » ، والمقصود به عشر الانتاج السنوي المفروض أداؤه من طرف جميع المسلمين تطبيقا للتشريعات السماوية . وفي المغرب ، حيث كانت تقاس المداخيل أساسا بقطعان الماشية أو بالمحاصيل الزراعية ، كان يساوي « العشور » عشر المحصول السنوي من الحبوب . انظر مادة « عشر » في : SEI , s . v . " Ushr " ( 2 ) المقصود بالتزبيل هنا ، إغناء الأرض وتقوية تربتها بوسائل التخصيب المعتمدة أساسا على روث البهائم وحتى براز الإنسان أو ما شابه ذلك من المواد المخصبة للأرض ( المعرب ) .