محمد بن عبد الله الصفار
143
رحلة الصفار إلى فرنسا
لها ، لما أخرجت ما تخرجه من الثمار وغيرها بما ذكر . ولم نر عندهم شيئا من النباتات والعشب التي تكون عندنا في فصل الشتاء . ورأينا في هذه الطريق أيضا كثيرا من الأودية والأنهار ، وكلها تسافر فيها المراكب والفلائك وبابورات النار . ومراكب الأنهار عندهم طوال ممسوحة القيعان ، إذ ليس في النهر من العمق مثل ما في البحر ، لكن ما ينقص من عمقه يزاد في طوله . وسواء في ذلك النهر الكبير والصغير ، لأنه وإن كان لا يمكن أن تسافر فيه المراكب لقصر عمقه ، فإنهم يحفرونه ويعمقونه ويعتنون بتصفية مجراه على قدر ما يمكن فيه سير المراكب . ولا يقتصرون في الأنهار على ما انشق بنفسه بل يحدثونه ويحفرونه . فإذا كان نهران متقابلان ولا اتصال لأحد بالآخر ، فإنهم يشقون بينهما نهرا آخر صغيرا ليتصلا ، حتى تصل المراكب من هذا لهذا . ولا تجد عندهم نهرا منهارا جرفه ولا ذاهبا في غير مجراه ولا غير ذلك من التفريط ، بل يعتنون بإصلاحها غاية ، وغالب حافاتها مبنية بأوثق بناء وأتقنه . وإذا كان على حافتها طريق بنوا طرفها الموالي للنهر ، وربما جعلوا فيه أعمدة عظيمة من الحجارة ، وأجروا فوق هذه الأعمدة ممدودا عليها أعمدة طوالا من الخشب مسمرة في رؤوس أعمدة الأحجار ليلا تنهار الطريق ، وخوف أن تميل كروصة في حالة المشي فيحصرها الحاجز المذكور عن الوقوع في الجرف . والأنهار في بلادهم كثيرة ، ومن أشهرها وأكبرها فيما مررنا عليه نهر يسمى الرون « 1 » . ومبدؤه من ناحية مدينة اليون ، فيدخلها ويلتقي معه فيها نهر آخر يسمى لاصون « 2 » . ثم يخرج منها مشرقا إلى أن يخلص للبحر الصغير غربي مرسيليا ، ويتصل به في طريقه أنهار أخر . فكلما زاد اتسع مجراه وكثر ماؤه ، فيرى في بعض المواضع كأنه بحر من البحور ، تسافر فيه المراكب الكبار ذوات النار وغيرها ، ويطلق على الجميع الرون تغليبا ، وعلى شاطئه فيما بين اليون ومرسيليا بلدان كثيرة وقناطير ضخام مشيدة على أشكال مختلفة ، وبساتين وأشجار يحمل بكثرة الأمطار وينقص بنقصانها ، ولا يتأثر البنا المؤسس بطرفه ولا الأشجار من زيادته لتأسيسه أولا على الإتقان .
--> ( 1 ) « الرون » ، هو نهر ( Rho ? ne ) الذي يسير انطلاقا من مشارف مدينة ليون في اتجاه الجنوب . ( 2 ) ( La Sao ? ne ) ، هو من أهم روافد نهر الرون سابق الذكر .