محمد بن عبد الله الصفار
137
رحلة الصفار إلى فرنسا
ومررنا في طريقنا هذه على مدن وقرى ، وأراضي وطاء وجبال وربى . واعلم أن هؤلاء القوم ليس عندهم في مساكنهم أخصاص « 1 » ، ولا خيم ولا نوايل « 2 » ، وإنما يعرفون البناء لا غير . إلا أن بناء البوادي متميز عن بناء الحواضر ، فقراهم في الحقيقة من جملة المدن يوجد فيها ما يوجد في الحاضرة من الأسواق وما يباع فيها وغير ذلك . وقد رأينا في طريقنا هذه ما يشهد شهادة حق لأهل هذه البلاد بالاعتناء التام والتبصر العام بأمور دنياهم وإصلاح معاشهم وإتقان تدبيرهم . فهم جادون كل الجد في عمارة الأرض بالبناء والغرس وغيره ، لا يسلكون في ذلك طريق التساهل ولا يصحبهم فيه تغافل ولا تكاسل . فلا ترى عندهم شيئا من الأرض ضائعا أصلا ، ولا ترى عندهم خرابا ولا أرضا مواتا « 3 » حتى أن الأرض التي ترابها رديء ينقلون لها التراب الجيد من أرض أخرى . ويعطون لكل نوع من الأرض ما يستحقه ، فما يصلح للحرث يحرث وما يصلح للغرس يغرس ، ويفرقون أيضا في الغرس بين ما يصلح في الأرض الحارة والباردة وهكذا ، وما يصلح لحفر تراب البناء والحجر يتركونه له وهكذا . وأشجارهم كلها أو جلها مستنبتة ولو كانت في رؤوس الجبال أو بطون الأودية « 4 » ، ولا يحاشون من ذلك موضعا . حتى أنهم يغرسون الأشجار في مجاري
--> ( 1 ) مفردها الخص ، وجمعها أخصاص وخصوص وخصاص ، وهي البيت المصنوع من القش أو القصب أو من أغصان الشجر . 375 : 1 Dozy ( المعرب ) . ( 2 ) مفردها نوالة ، وفي الإسبانية ( naguela ) ، وهي مسكن من القش أو القصب غالبا ما يوجد في بوادي شمال المغرب . 747 - 746 : 2 Dozy ( المعرب ) . ( 3 ) لاحظ جون دراموندهاي أثناء تنقلاته أن البادية الممتدة بين مدينتي طنجة والرباط « تكاد تكون خالية من السكان » ، وأضاف مشيرا إلى أن المناطق الممتدة مباشرة في اتجاه الجنوب تتوفر على « بادية ذات مجالات زراعية محروثة حرثا جيدا أفضل مما سبق أن رأيناه إلى ذلك الحين ، [ . . . ] حيث بدت لنا حقول ناظرة من القمح والشعير » : Journal , p . 54 ؛ وانظر أيضا : Laroui , Origines , 34 - 38 ( 4 ) كانت الغابات في المغرب معرضة للخطر بفعل استعمالها المكثف كمجال رعوي : « كان الماعز يبذل قصارى جهده لابتلاع البراعم والنباتات الجديدة ، بينما استمر سكان البلاد في ممارسة عادتهم القبيحة ، وهي تحطيم جذوع الأشجار لاستخدام خشبها في تحضير الفحم ، واستعمال الأغصان الشائكة لتزريب حقولهم » ، انظر : Aubin , Morocco , p . 12 .