عبد العزيز دولتشين
364
الرحلة السرية للعقيد الروسي
في الصباح الباكر وصلنا إلى جدّة . تقع مدينة جدّة على ساحل البحر الأحمر ، وهي مرفأ لمدينة مكة ، كما أنها أكبر مركز تجاري في منطقة الحجاز كلها . والنشاط في المدينة كبير نسبيّا . وهنا توجد قنصليات الدول الأوروبية ، بما فيها القنصلية الروسية . شغل السكان الرئيسي صيد المرجان وعلى الأغلب المرجان الأسود . وقرب المدينة يدلون على قبر جدة جميع الكائنات البشرية ، حواء ؛ طول القبر زهاء 60 ارشينا . في وسطه ينتصب مسجد يؤدي فيه الزوار الصلاة . وفي المقبرة نفسها ، دفن ، في عداد من دفنوا ، القنصل الروسي الأول في جدّة ، المستشار الحكومي الفعلي إبراهيموف ( تتري من تركستان ) . وقد توفي بصورة مأساوية في الطريق بين جدّة ومكة من الكوليرا في السنة الأولى بالذات من تعيينه ، سنة 1892 . ويقال أن المرحوم كان قنصلا متحمسا وهماما يحرص على مصالح مواطنيه الحجاج ، المسلمين الروس . كان القنصل الروسي الكسندر دمترييفيتش ليفيتسكي لطيفا إلى حد انه عرض بسرور النزول في شقته ، رغم أننا جئنا من محلة عصف فيها مرض لم تكن خواصه معيّنة بعد بدقة ، وسموه بالكوليرا في جدّة نظرا لعدد الوفيات الهائل . اغتنمنا ضيافة القنصل الروسي ، وأقمنا هنا ثلاثة أيام بانتظار رفاقنا الذين بقوا في مكة وبانتظار اقلاع أولى البواخر بالحجاج . وبين أولى البواخر التي أقلعت ، كانت الباخرة « عبد القدير » ؛ وقد ركبنا فيها مع الركاب الآخرين وأغلبهم من الترك والمسلمين الروس وأهل البوسنيا . وفيها سافر أيضا الصينيون العائدون من مكة . وقد جاؤوا إلى مكة عبر الهند ؛ أما الآن فقد اختاروا طريقا آخر لكي يشاهدوا القسطنطينية ؛ ولكن هذا الفضول كلفهم غاليا بسبب الحجر الصحي . أقلعنا من جدّة في 21