عبد العزيز دولتشين

363

الرحلة السرية للعقيد الروسي

مكة لحم الأغنام المحلية الذي هو لذيذ جدّا ، والحق يقال ، ولكنه يثير اختلالا شديدا في المعدة . ومرد ذلك ، كما يقولون ، إلى أن الأغنام تأكل ما يسمى العشب المكي ( السنا المكي ) أي الورقة الإسكندري . هذه النبتة ، كما هو معلوم ، تملك خاصية مسهّلة . وللحيلولة دون التأثير المضر للحم المحلي في الجسم ينصحون بتقطيعه قطعا صغيرة وقليه أو شويه ، قبل طبخه ، ثم باستعماله في الطعام . وإن الحساء من هذا اللحم والمآكل الأخرى منه لم تمارس بالفعل تأثيرا ضارا في المعدة في حال تناولها باعتدال . تجلى المرض بالضعف العام ، والسهال ، والقيء ، والتشنج . وكان الموت يحل بعد ساعتين أو ثلاث . ولي كثرة من المبررات للقول أن هذا المرض هو الكوليرا الآسيوية الحقيقية « * » . أخذ القيظ يشتد يوما بعد يوم ؛ كذلك ازداد عدد الوفيات ، ولذا أسرع الجميع إلى مغادرة المدينة بخير وسلامة [ . . . ] . بعد العودة من منى إلى مكة اشترينا في اليوم التالي بعض الأشياء ثم اغتسلنا بعد الظهر بماء زمزم ، وقمنا بطواف الوداع ، وقبّلنا للمرة الأخيرة الحجر الأسود ، وعتبة بيت اللّه ، وكسوته ، وأدينا الصلاة ، وخرجنا من المسجد ناظرين إلى بيت اللّه حتى توارى عن أنظارنا . عند غياب الشمس انطلقت مع واحد من رفاقنا وبرفقة ثلاثة من العرب إلى جدّة لكي نركب الباخرة هناك ونسافر إلى وطننا روسيا . رحت راكبا على بغل ؛ وبما أننا قطعنا المسافة كلها بين المدينتين ( 70 فرستا ) في الليل ، فاني لم أر شيئا عدا المسافرين في الاتجاه المعاكس ، المنطلقين مجموعات على الحمير بضجة وضوضاء بين الفينة والفينة .

--> ( * ) الكوليرا في الحجاز ظاهرة عادية تحل سنويّا .