عبد العزيز دولتشين

289

الرحلة السرية للعقيد الروسي

التوقف أسابيع عند مدخل قناة السويس بسبب عدم دفع النقود المتوجبة عن المرور ، ورفض تقديم الفحم لها في المرافئ ، والخ . . وفي الحجاز ينذهلون لكون البدو ، أبناء موطن النبي ، ينهبون في قلب الإسلام اخوانهم في الدين القادمين ببالغ الصعوبة لاداء الشعائر المقدسة التي ينص عليها دينهم الحنيف ؛ وتذهلهم كذلك جرأة عمليات النهب هذه ووقاحتها وغياب كل عقاب عليها ووقوعها في وضح النهار وبحضور الجنود الأتراك ؛ ويدهشون لما تبديه السلطات من لا مبالاة تامة ومن انعدام كل تعاطف واهتمام بمصائر الحجاج . ويعجبون بالغ العجب حين يرون من جانب سكان الحجاز الأصليين الذين اعتادوا في الوطن اعتبارهم قديسين أو يكاد ، موقفا طائشا من إداء شعائر الدين الأساسية وهيمنة المصالح النقدية بنظرهم على جميع المصالح والاهتمامات الأخرى . ويبدو لهم من الغريب جدّا انعدام النظام والنظافة في « أم القرى » وفي « مدينة النبي » بالذات ، ولا يطيب لهم البتة غياب السكون والإجلال في المساجد بالذات ، وقرب الكعبة المقدسة ، وعند قبر النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) ؛ ويتسنى لهم أن يسمعوا عن ارتشاء الشريف ، وعن استئثاره بالاعلانات المالية المقررة لبعض قبائل البدو ؛ ومن جراء ذلك يضطر الحجاج التعساء إلى الدفع من جيوبهم وصحتهم . لا يجوز ولا يمكن أن ننكر أن الحج يساهم في رفع الشعور الديني نوعا ما ؛ فإن قسما من الحجاج من الفئة الثانية يغيرون حياتهم الروحية كثيرا بعد عودتهم إلى الوطن ، ويحاولون التقيد بقواعد الدين بمزيد من الدقة ، ويؤمنون أنهم قد تخلصوا من الخطايا السابقة ، ويحادلون عدم تفويت مواعيد الصلاة والصيام في السمتقبل ، وتجنب الأشياء الممنوعة ، كالخمر مثلا ؛ والبعض يحرم نفسه حتى المتع البريئة كالمسرح أو السيرك . ولكن يمكن القول قطعا على العموم أن حجاجنا جميعهم تقريبا يعودون إلى الوطن بنظرات تغيرت كثيرا ، وأكثر نضوجا وتبصرا ،