عبد العزيز دولتشين
288
الرحلة السرية للعقيد الروسي
ينقسم حجاجنا إلى قسمين ، القسم الأول يتألف عادة من الشيوخ ، وهم أناس ذوو ثقافة ضعيفة جدّا ، ينظرون بلا مبالاة وبلا مشاركة إلى كل ما يحيط بهم ، ولا يبتغون غير الهدف النهائي من السفرة ، وينفذون على العمياء شعائر الحج بما فيها أقل التفاصيل ؛ وهم يرون حتى في عمليات النهب والسلب التي يقوم بها البدو سرا يستحيل فهمه ومكيدة من الشيطان للحيلولة دون إداء الشعائر المقدسة ، ويعتبرون جميع التدابير الصحية أمرا غير ضروري إطلاقا ، لأنه لا ملاذ على كل حال من القضاء والقدر ، وما إلى ذلك . وإذا سألهم أحد بعد العودة من الحج عما رأوه أثناء الرحلة ، فليس بمقدورهم أن يفيدوا شيئا غير بعض الحكايات والخرافات التي سمعوها في الطريق عن مختلف المعجزات . وبعد العودة إلى البيت ، يتحلون ببالغ التصوّف والتقوى ، هذا إذا لم يكونوا كذلك من قبل ، وغالبا ما يكرسون بقية العمر للصلاة بوجه الحصر ، ويتجنبون الشؤون والهموم الدنيوية . أما الآخرون ، وعددهم يتزايد سنة بعد سنة ، فهم أناس أكثر تطورا ، وذوو اهتمامات متنوعة ، ويحللون ويفكرون ، ولهم معيار معين . ومنذ أوليالخطوات بالذات بعد الخروج من روسيا ، ينفسح أمامهم مجال غني وشيق لأجل المراقبة والمقارنة . في البدء تتملكهم خيبة أمل مرة في عاصمة الخلافة - أي في القسطنطينية التي يعتبرها مسلمونا ضربا من العجائب . فإن الشوارع الضيقة والقذرة ، والبيوت الرديئة ، وانعدام النظام ، كل هذا يحمل على المقارنة عن غير قصد مع اوديسا المجاورة التي ينطلق منها حجاجنا في أغلب الأحوال . ثم يتعرف حجاجنا على عمليات استحصال جوازات السفر وعلى النظم التركية وعلى الرشوة السائدة في كل مكان ، ويغادرون القسطنطينية بتصور مغاير تماما . وبعد ذلك يتسنى لهم أن يسمعوا ويروا حقارة البواخر التركية التي غالبا ما تحدث لها أحداث غريبة ، كنفاد احتياطي الفحم في وسط البحر ، أو