شكيب أرسلان

86

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

لكنّه إن شاء اللّه حشر للثواب ، مبشّر بالرحمة والمغفرة يوم الحشر للحساب . زعم المحققون من الأشياخ المجاورين أنّهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعا أحفل منه ، ولا أرى كان من عهد الرشيد - الذي هو آخر من حجّ من الخلفاء - جمع في الإسلام مثله ، جعله اللّه جمعا مرحوما معصوما بعزته . فلمّا جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة المذكور ، وقف النّاس خاشعين باكين ، وإلى اللّه عزّ وجل في الرحمة متضرّعين ، والتكبير قد علا ، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع ، فما رؤي يوم أكثر مدامع ، ولا قلوبا خواشع ، ولا أعناقا لهيبة للّه خوانع خواضع - من ذلك اليوم . فما زال النّاس على تلك الحالة ، والشمس تلفح وجوههم إلى أن سقط قرصها ، وتمكّن وقت المغرب ، وقد وصل أمير الحاجّ مع جملة من جنده الدارعين ، ووقفوا بمقربة من الصخرات « 1 » عند المسجد الصغير ، وأخذ السّرو اليمانيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات ، المتوارثة عن جد فجد من عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لا تتعدّى قبيلة على منزل أخرى . وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قطّ مثله ، وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله ، ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ، ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين ، ومن السيدات بنات الأمراء كثير ، ومن سائر العجم عدد لا يحصى ، فوقف

--> ( 1 ) هذه الصخرات التي يتكّرر ذكرها معروفة ، وهي التي وقف النبيّ الأعظم صلى اللّه عليه وسلم عندها في حجّة الوداع ، ولكنه قال : « وقفت هاهنا وعرفة كلّها موقف » رواه مسلم [ رقم ( 1218 - 149 ) من حديث جابر رضي اللّه عنه ] يعني أنّ وقوفه هنالك إتفاقيّ ، لا لفضيلة في المكان ، لئلا يتهافت النّاس بعده عليه ، ولكنهم يفعلون ذلك ما استطاعوا . مصححه