شكيب أرسلان
87
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
الجميع ، وقد جعلوا قدوتهم في النّفر الإمام المالكي ، [ لأن مذهب مالك رضي اللّه عنه يقتضي أن لا ينفر حتى يتمكن سقوط القرص ، ويحين وقت المغرب ] « 1 » . . . إلى أن يقول : فلما حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ، ونزل عن موقفه ، فدفع النّاس بالنّفر دفعا ، ارتجّت له الأرض ورجفت الجبال ، فيا له موقفا ما أهول مرآه ، وأرجى في النفوس عقباه ، جعلنا اللّه ممن خصّه فيه برضاه ، وتغمّده برحماه ، إنّه منعم كريم ، حنّان منّان . وكانت محلة الأمير العراقي جميلة المنظر ، بهية العدّة ، رائقة المضارب والأبنية ، عجيبة القباب والأروقة ، على هيئات لم ير أبدع منها منظرا ، فأعظمها مرأى مضرب الأمير ، وذلك أنّه أحدق به سرادق كالسّور من كتان ، كأنه حديقة بستان ، أو زخرفة بنيان ، وفي داخله القباب المضروبة ، وهي كلّها سواد في بياض ، مرقّشة ملوّنة ، كأنّها أزاهير الرّياض ، وقد جلّلت صفحات ذلك السرادق من جوانبه الأربعة كلها أشكال درقية « 2 » من ذلك السواد المنزّل في البياض ، يستشعر الناظر إليها مهابة ، يتخلّلها درقا لمطية « 3 » قد جلّلتها مزخرفات الأغشية . لهذا السرادق الذي هو كالسور المضروب أبواب مرتفعة ، كأنّها أبواب القصور المشيّدة ، يدخل منها إلى دهاليز وتعاريج ، ثم يفضى منها إلى الفضاء الذي فيه القباب ، فكأنّ هذا الأمير ساكن في مدينة ، قد أحدق بها سور ، تنتقل بانتقاله ، وتنزل بنزوله ، وهي من الأبّهات الملوكية المعهودة . وداخل تلك الأبواب حجّاب الأمير وغاشيته ، وهي أبواب مرتفعة ،
--> ( 1 ) [ زيادة من رحلة ابن جبير ] . ( 2 ) [ الدرقة هي الترس ] . ( 3 ) [ نسبة إلى قبيلة ( لمطة ) في المغرب الأقصى عندهم أحسن التراس ] .