شكيب أرسلان

401

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

فأما خصب أراضي اليمن الذي روى عنه هذه الروايات مؤرخو اليونان والرومان متفقين في ذلك مع مؤرخي العرب ؛ فقد اعترف به سياح الإفرنج الذين جوّلوا في بلاد اليمن ، إلا أن هؤلاء أشاروا إلى تناقص الأشجار والغابات بالقياس إلى الماضي . وقد ذكر الهمداني اعتدال الإقليم في جهات صنعاء بخاصة ، وهذا يطابق ما قاله كلازر وغيره من السياح الأوروبيين ، وهو أنّ أعالي اليمن معتدلة الهواء ، وأنّ هذا الاعتدال هو السبب في كثرة محصولاتها . ولقد شاهدت بنفسي في سياحتي إلى اليمن السنة الماضية « 1 » اعتدال بقعة صنعاء منذ صعدنا عقبة آنس ، حتى انتهينا إلى قرية يقال لها القبّة ، ثم إلى قرية أخرى يقال لها المعبر ، ومن هناك سرنا عدة ساعات بالسيارة الكهربائية في بسيط من الأرض يعلو ألفين إلى ألفين وخمسمئة متر عن سطح البحر ، إلى أن بلغنا صنعاء ، فمررنا ببقعة من أحسن بقاع الأرض ، وأكثرها قابلية زراعية ، وأجودها هواء وماء ، ولما وصلنا إلى صنعاء سألنا : هل يوجد كثير من نمط هذه البقعة في اليمن ؟ فأجابونا بأننا لم نشاهد إلا جزءا يسيرا من البسائط المريعة المحيطة بصنعاء من الجهات الأربع . وقد كاشفت بما في نفسي من هذا الأمر الأمير الخطير السيد عبد اللّه بن الوزير أمير الحديّدة - وهو من العقل والفضل بالمقام الذي يندر مثله - فقال لي : إنّ اليمن في الحقيقة هي عبارة عن جبالها . ولم تكن الزراعة وحدها سبب ثروة اليمن المدهشة في ذلك العصر ، كما تقدم الكلام عليه ؛ فقد أفاض المؤرخون الأولون من اليونان والرومان مثل ديودور وسترابون ، وأنختريد ، في ذكر تجارة

--> ( 1 ) [ وذلك عام ( 1934 ) حيث اشترك الأمير في وفد الصلح الذي أرسله المؤتمر الإسلامي للتوفيق بين الملك عبد العزيز آل سعود والإمام يحيى حميد الدين ] .