شكيب أرسلان

295

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

ووادي القرى اليوم خراب ، كما كان في أيامهما ، ولا يرجى له استئناف عمران إلا باستئناف حركة الخطّ الحديدي الحجازي . ولقد كان وادي القرى معمورا في صدر الإسلام وما يليه ، وبه مات موسى بن نصير اللخمي فاتح الأندلس ، وغازي الأرض الكبيرة الأوربية ، وفاتحها كلّها ، لو تركه أعداؤه وحسّاده في دمشق يكمل عمله في الغرب . وقرأت في كتاب « الصلة » لابن بشكوال في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ! ترجمة أحمد بن محمد بن محمد بن عبيدة الأموي ، الذي يعرف بابن ميمون من أهل طليطلة : وفيها أنّه رحل إلى المشرق سنة ( 380 ) وحجّ وزار المدينة ، وأنه سمع بوادي القرى من أبي جعفر أحمد بن علي بن مصعب ، وبمدين من أبي بكر السوسي الصوفي ، وبأيلة من أبي بكر ابن المنتصر ، وبالقلزم من أبي عبيد اللّه ابن غسان القاضي . فمن ذكره علماء في هذه الأماكن يأخذ عنهم مثل ابن ميمون الطليطلي بجلالة قدره يعرف أنّها كانت معمورة مأهولة . والحال أنّها اليوم خراب ، فلا وادي القرى ، ولا مدين ولا أيلة ، ولا القلزم عليها رائحة العمارة ، أو فيها شيء يشبه القرى ، فضلا عن الحواضر أو المزارع ، فضلا عن الجنان النواضر . أين اليوم وادي القرى ومدين وأيلة والقلزم ، وأين العلم والأدب والسماع منها ؟ ! ! أودية العقيق في المدينة واليمامة وغيرهما ومن أجمل ما في الحجاز ، بل في جزيرة العرب ، الأمكنة التي يقال لها العقيق ، ويترنّم بها الشعراء بالشعر المتين الرقيق ، والعرب تقول لكلّ مسيل ماء شقّه السيل في الأرض فأنهره ووسّعه عقيق .